فصل: تفسير الآيات رقم (46- 49)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 24‏]‏

‏{‏وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏23‏)‏ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وراودته التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ‏}‏‏:‏ المراودة‏:‏ الملاطفةُ في السُّوق إِلى غرضٍ، و‏{‏التي هُوَ فِي بَيْتِهَا‏}‏ هي زُلَيْخَا امرأةُ العزيز، وقوله‏:‏ ‏{‏عَن نَّفْسِهِ‏}‏‏:‏ كنايةٌ عن غرض المواقعة، وظاهرُ هذه النازِلة أنها كانَتْ قبل أنْ ينبَّأ عليه السلام، وقولها‏:‏ ‏{‏هَيْتَ لَكَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ الدُّعاء، أيْ‏:‏ تعالَ وأقْبِلْ عَلَى هَذا الأمْرِ، قال الحَسن‏:‏ معناها‏:‏ هَلُمَّ، قال البخاريُّ‏:‏ قال عكرمةُ‏:‏ ‏{‏هَيْتَ لَكَ‏}‏ بالحُورَانِيَّةِ‏:‏ هَلُمَّ‏.‏

وقال ابن جُبير‏:‏ تَعَالَهْ، انتهى‏.‏

وقرأ هشام عن ابن عامرٍ‏:‏ «هِئْتُ لَكَ»- بكسر الهاءِ والهمزِ وضمِّ التاء-، ورويت عن أبي عَمْرو، وهذا يحتملُ أنْ يكون من هَاءَ الرجُلُ يَهِيءُ، إِذا حَسُن هيئته، ويحتمل أنْ يكون بمعنى‏:‏ تَهَيَّأَتُ، و‏{‏مَعَاذَ‏}‏‏:‏ نصب على المصدر، ومعنى الكلام‏:‏ أعوذ باللَّهِ، ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ‏}‏، فيحتمل أن يعود الضمير في «إِنه» على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتمل أنْ يريد العزيزَ سيِّدَهُ، أي‏:‏ فلا يصلح لي أنْ أخونه، وقد أكْرَمَ مثواي، وائتمنني، قال مجاهد وغيره‏:‏ «رَبِّي» معناه سَيِّدي وإِذا حفظ الآدميّ لإِحسانه فهو عمل زَاكٍ، وأحرى أن يحفظ ربه، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ‏}‏ مرادٌ به الأمر والشأن فقطْ، وحكى بعض المفسِّرين أنَّ يوسُفَ عليه السلام لمَّا قال‏:‏ مَعَاذَ اللَّهِ، ثم دافَعَ الأمْرَ باحتجاج وملاينةٍ، امتحنه اللَّه تعالى بالهَمِّ بما هَمَّ به، ولو قال‏:‏ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ودافَعَ بِعُنْفٍ وتغييرٍ، لم يَهمَّ بشيء من المَكْروه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَهَمَّ بِهَا‏}‏‏:‏ اختلف في هَمِّ يوسُفُ‏.‏

قال * ع *‏:‏ والذي أقولُ به في هذه الآية‏:‏ أَنَّ كَوْنَ يوسُفَ عليه السلام نبيًّا في وقت هذه النازلة لم يصحَّ، ولا تظاهَرَتْ به روايةٌ، فإِذا كان ذلك، فهو مؤمنٌ قد أوتِيَ حكماً وعلماً، ويجوز عَلَيْه الهَمُّ الذي هو إِرادةُ الشيْءِ دون مواقَعَتِهِ، وأنْ يستصحب الخَاطِرَ الرديءَ؛ علَى ما في ذلك من الخطيئة، وإِن فرضْنَاه نبيًّا في ذلك الوقْتِ، فلا يجوز عليه عندي إِلاَّ الهَمُّ الذي هو الخاطرُ، ولا يصحُّ عندي شيْءٌ مما ذكر من حَلِّ تِكَّةٍ، ونحوِ ذلك؛ لأنَّ العِصْمة مع النبوَّة، وللَهمِّ بالشيْءِ مرتبتانِ، فالخاطرُ المجرَّد دون استصحاب يجوزُ عليه، ومع استصحابِ لا يَجُوزُ عليه؛ إِذ الإِجماع منعقدٌ أَنَّ الهمَّ بالمعصية واستصحابَ التلذُّذ بها غير جائزٍ، ولا داخِلٍ في التجاوُزِ‏.‏

* ت *‏:‏ قال عياضٌ‏:‏ والصحيحُ إِن شاء اللَّه تنزيهُهُمْ أيضاً قبل النبوَّة مِنْ كُلِّ عيْبٍ، وعصمتُهُم مِنْ كُلِّ ما يوجبُ الرَّيْب، ثم قال عياضٌ بعد هذا‏:‏ وأما قولُ اللَّه سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ‏}‏، فعلى طريق كثيرٍ من الفقَهَاء والمحدِّثين؛ أنَّ همَّ النفْس لا يؤاخذ به، وليس بسيِّئة، لقوله عليه السلام عن ربِّه‏:‏

‏"‏ إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ ‏"‏؛ فَلاَ مَعْصِيَةَ في همه إِذَنْ، وأما علَى مذهب المحقِّقين من الفقهاء والمتكلِّمين، فإِن الهمَّ إِذا وُطِّنَتْ عليه النفْسُ سيئةٌ، وأَما ما لم توطَّن عليه النفس مِنْ همومها وخواطرها، فهو المعفوُّ عنه، وهذا هو الحقُّ، فيكون إِن شاء اللَّه هَمُّ يوسُفَ من هذا، ويكونُ قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 53‏]‏‏:‏ أي‏:‏ مِن هذا الهَمِّ، أو يكون ذلك مِنْهُ على طريق التواضُع‏.‏ انتهى‏.‏

واختلف في البُرْهَان الذي رآه يوسُفُ، فقيل‏:‏ ناداه جبريلُ‏:‏ يا يوسُفُ، تَكُونُ في ديوانِ الأنبياءِ، وتفعلُ فِعْلَ السفهاءِ، وقيل‏:‏ رأَى يعقوبَ عَاضًّا علَى إِبهامه، وقيل غير هذا، وقيل‏:‏ بل كان البرهَانُ فِكْرَتَهُ في عذابِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ على المعصية، والبرهانُ في كلام العرب‏:‏ الشيء الذي يُعْطِي القطْعِ واليَقِينَ، كان مما يَعلَمُ ضرورةً أو بخبرٍ قطعيٍّ أو بقياسٍ نظريٍّ «وأنْ» في قوله‏:‏ ‏{‏لَوْلا أَن رَّأَى‏}‏ في موضع رفعٍ، تقديره‏:‏ لولا رؤيته برهانَ رَبِّه، لَفَعَلَ، وذَهَبَ قومٌ إِلى أَنَّ الكلامَ تَمَّ في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ‏}‏، وأن جواب «لولا» في قوله‏:‏ ‏{‏وَهَمَّ بِهَا‏}‏، وأن المعنى‏:‏ لولا أنْ رأَى البرهان لَهَمَّ، أي‏:‏ فلم يهمَّ عليه السلام، وهذا قولٌ يردُّه لسانُ العربِ، وأقوالُ السلَفِ * ت *‏:‏ وقد ساقَ عيَاضٌ هذا القولَ مساق الاحتجاج به متَّصلاً بما نقَلْناه عنْه آنفاً، ولفظه‏:‏ فكيف، وقَدْ حكَى أبو حاتمٍ عن أبي عُبَيْدة، أن يوسف لم يَهِمَّ، وأنَّ الكلام فيه تقديمٌ وتأخير، أي‏:‏ ولقد همَّتْ به، ولولا أنْ رأَى برهانَ ربه لَهَمَّ بها، وقد قال اللَّه تعالى عن المرأة‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 32‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشاء‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَعَاذَ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ انتهى‏.‏ وكذا نقله الداودي ولفظه‏:‏ وقد قال سعيدُ بْنَ الحَدَّاد‏:‏ في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، ومعناه‏:‏ أنه لولا أنْ رأَى برهان ربِّه لَهَمَّ بها، فلمَّا رأى البرهان لم يَهِمَّ، انتهى‏.‏ قال ابن العربيِّ في «أَحكامه»‏:‏ وقد أخبر اللَّه سبحانه عن حالِ يوسُفَ من حين بلوغه بأنه آتاه حكماً وعلماً، والحُكْم‏:‏ هو العمل بالعلم، وكلامُ اللَّه صادِقٌ، وخبره صحيحٌ، ووصفه حَقٌّ، فقد عَمِلَ يوسُفُ بما عَلَّمه اللَّه من تحريم الزنا، وتحريم خيانةِ السيِّد في أهْله، فما تعرَّض لامرأةِ العزيز، ولا أناب إِلى المُرَاودة، بل أَدْبَرَ عنها، وَفَّر منها؛ حِكْمَةٌ خُصَّ بها، وعملٌ بما علَّمه اللَّه تعالى، وهذا يطمس وُجُوهَ الجَهَلَةِ مِنَ النَّاس والغَفَلَةِ من العلماءِ في نسْبتهم إِلى الصِّدِّيقِ ما لا يليقُ، وأقلُّ ما اقتحموا مِنْ ذلك هَتْكُ السراويلِ، والهَمُّ بالفَتْكِ فيما رَأَوْهُ من تأويلٍ، وحاشاه من ذلك، فما لهؤلاء المفسِّرين لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً؛ يقولون‏:‏ فَعَلَ فَعَلَ، واللَّه تعالى إِنما قال هَمَّ بها، قال علماء الصوفيَّة‏:‏ إِن فائدة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 22‏]‏ أن اللَّه عزَّ وجلَّ أعطاه العلْمَ والحكْمة؛ بأن غلب الشهوة؛ ليكون ذلك سبباً للعصْمَة، انتهى‏.‏

والكافُ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء‏}‏‏:‏ متعلِّقةٌ بمضمرٍ، تقديره‏:‏ جَرَتْ أفعالنا وأقدارنا كذلك؛ لنصرفَ، ويصحُّ أن تكون الكافُ في موضِعِ رفعٍ بتقديرِ عصمَتَنا له كَذَلك، وقرأ ابن كثير وغيره‏:‏ «المُخْلِصِينَ»- بكسر اللام- في سائر القرآن، ونافع وغيره بفَتْحها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 29‏]‏

‏{‏وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏25‏)‏ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏26‏)‏ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏27‏)‏ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ‏(‏28‏)‏ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستبقا الباب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ معناه‏:‏ سَابَقَ كُلُّ واحدٍ منهما صاحبه إِلى البابِ، هي لتردَّه إِلى نفسها، وهو ليهرُبَ عنها، فقبضَتْ في أعلى قميصِهِ، فتخرَّق القميصُ عند طَوْقِهِ، ونَزَلَ التخريقُ إِلى أسفلِ القميصِ، قال البخاريُّ‏:‏ ‏{‏وَأَلْفَيَا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ وَجَدَا؛ ‏{‏أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 69‏]‏ وجدوهم‏.‏ انتهى، و«القَدُّ»‏:‏ القطْع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طُولاً، والقَطُّ‏:‏ يستعمل فيما كان عَرْضاً، و‏{‏أَلْفَيَا‏}‏‏:‏ وجَدَا، والسيِّد‏:‏ الزوْج؛ قاله زيد بن ثابتٍ ومجاهدٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال نَوْفٌ الشاميُّ‏:‏ كان يوسُفُ عليه السلام لم يُبِنْ على كشف القصَّة، فلما بَغَتْ عليه، غَضِبَ، فقال الحقَّ، فأخبر أنها هي راوَدَتْه عَنْ نفسه، فرُوِيَ أن الشاهد كان ابن عَمِّها، قال‏:‏ انظروا إِلى القميص، وقال ابن عباس‏:‏ كان رجلاً من خاصَّة الملك؛ وقاله مجاهد وغيره، والضمير في «رأَى» هو للعزيز، وهو القائلُ‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ‏}‏؛ قاله الطبريُّ، وقيل‏:‏ بل الشاهدُ، قال ذلك، ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء؛ فإِنها معتمدهم، و«يوسُفُ» في قوله‏:‏ ‏{‏يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا‏}‏‏:‏ منادًى، قال ابن عباس‏:‏ ناداه الشاهدُ، وهو الرجلُ الذي كان مَعَ العزيزِ، و‏{‏أَعْرِضْ عَنْ هذا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ عن الكلامِ بِهِ، أي‏:‏ اكتمه، ولا تتحدَّث به، ثم رَجَعَ إِليها، فقال‏:‏ ‏{‏واستغفري لِذَنبِكِ‏}‏، أي‏:‏ استغفري زَوْجَكَ وسيِّدَكَ، وقال‏:‏ ‏{‏مِنَ الخاطئين‏}‏، ولم يقل «من الخاطئات»؛ لأن الخاطئين أعمُّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 34‏]‏

‏{‏وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏30‏)‏ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ‏(‏31‏)‏ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ ‏(‏32‏)‏ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ‏(‏33‏)‏ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏34‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عَن نَّفْسِهِ‏}‏‏:‏ ‏{‏نِسْوَةٌ‏}‏‏:‏ جمع قلَّة، وجمعُ التكثير نساءٌ، ويروَى أنَّ هؤلاء النسوة كُنَّ أربعاً‏:‏ امرأة خبَّازَة، وامرأة ساقية، وامرأة بَوَّابة، وامرأة سَجَّانة، والعزيزُ‏:‏ المَلِك، والفَتَى‏:‏ الغلام، وعُرْفُه في المملوك، ولكنَّه قد قيل في غير المملوك؛ ومنه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لفتاه‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 60‏]‏، وأصل الفتى، في اللغة‏:‏ الشَّابُّ، ولكن لما كان جُلُّ الخَدَمَةِ شَبَاباً، استعير لهم اسم الفتَى، و‏{‏شَغَفَهَا‏}‏‏:‏ معناه بَلَغَ حتَّى صار مِنْ قلبها موضِعَ الشِّغافِ، وهو؛ على أكثر القولِ‏:‏ غِلاَفٌ من أغشية القَلْبِ‏.‏

وقيل‏:‏ الشِّغاف‏:‏ سويداءُ القَلْبِ‏.‏

وقيل‏:‏ الشِّغَافُ‏:‏ داءٌ يصلُ إِلى القلب‏.‏

‏{‏فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ‏}‏؛ ليحضُرْن‏.‏

‏{‏وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكَأً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ أعَدَّتْ ويَسَّرت ما يُتَّكَأُ عليه من فُرُشٍ ووسَائِد وغَيْرِ ذلك، وقرأ ابن عباس وغيره‏:‏ «مُتْكاً»- بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف-، واختلف في معناها، فقيل‏:‏ هو الأُتْرُنْجَ، وقيل‏:‏ هو اسمٌ يعمُّ جميع ما يُقْطَعُ بالسِّكِّين، وقولها‏:‏ ‏{‏اخرج عَلَيْهِنَّ‏}‏‏:‏ أمر ليوسف، وأطاعها بحسب المُلْك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَكْبَرْنَهُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ أعظمنْهُ واستهولن جَمَاله، هذا قولُ الجمهور‏.‏

‏{‏وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ كَثَّرْنَ الحَزَّ فيها بالسَّكَاكين، وقرأ أبو عمرو وحده‏:‏ «حاشَى للَّهِ»، وقرأ سائر السبعة‏:‏ ‏{‏حَاشَ لِلَّهِ‏}‏، فمعنى «حَاشَ للَّهِ»‏:‏ أي‏:‏ حاشَى يوسُفَ؛ لطاعته للَّه، أو لمكانه من اللَّهِ أنْ يرمَى بِمَا رَمَيْتِهِ به، أوْ يدعَى إِلى مثله، لأَنَّ تلْكَ أفعال البشر، وهو لَيْسَ منهم، إِنما هو مَلَكٌ، هكذا رتَّب بعضهم معنَى هذا الكلامِ على القراءَتَيْنِ، وقرأ الحسنُ وغيره‏:‏ «مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلِكٌ كَرِيمٌ»- بكسر اللام من «مَلِك»؛ وعلى هذه القراءة، فالكلامُ فصيحٌ‏:‏ لَمَّا استعظمن حُسْنَ صورته، قُلْنَ ما هذا مما يَصْلُح أنْ يكون عبداً بشَراً، إِنْ هذا إِلا مما يَصْلُح أنْ يكون مَلِكاً كريماً‏.‏

* ت *‏:‏ وفي «صحيح مسلم» من حديث الإِسراء‏:‏ ‏"‏ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِيُوسُفَ صلى الله عليه وسلم، وإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ‏"‏ انتهى‏.‏

وقولها‏:‏ ‏{‏فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ فهذا الذي لُمْتُنَّنِي فيه، وقطعتُنَّ أيديَكُنَّ بسببه‏:‏ هو الذي جَعَلَنِي ضالَّةً في هواه، ثم أقرَّت امرأة العزيزِ للنِّسوة بالمراودة، واستأمنت إِليهن في ذلك؛ إِذْ عَلِمَتْ أَنهنَّ قد عَذَرْنَهَا‏.‏

و ‏{‏استعصم‏}‏ معناه طلب العِصْمة، وتمسَّك بها، وعَصَاني، ثم جعلَتْ تتوعَّده، وهو يسمع بقولها‏.‏

‏{‏وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءَامُرُهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إِلى آخر الآية‏.‏

* ت *‏:‏ واعترض * ص *‏:‏ بأنَّ تفسيرُ «استعصم» ب «اعتصم» أولى من جعله للطَّلبِ، إِذ لا يلزم من طلب الشيء حصُولُه‏.‏ انتهى، واللام في «لَيُسْجَنَنَّ»‏:‏ لام قَسَمٍ، واللام الأولَى هي المؤذنَةُ بالمجيء بالقَسَمِ، و«الصاغرون»‏:‏ الأذلاَّء، وقَوْلُ يوسُفَ عليه السلام‏:‏ ‏{‏رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ‏}‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏مِّنَ الجاهلين‏}‏، كلامٌ يتضمَّن التشكِّيَ إِلى اللَّه تعالى من حاله معهن، و‏{‏أَصْبُ‏}‏‏:‏ مأخوذ من الصَّبْوَة، وهي أفعالُ الصِّبا، ومن ذلك قولُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلاَ الشَّيْبُ رَأْسَه *** فَلَمَّا عَلاَهُ قَالَ لِلْبَاطِلِ ابعد

قال * ص *‏:‏ «أصْبُ» معناه‏:‏ أَمِلْ، وهو جوابُ الشرطِ، والصَّبابة‏:‏ إِفراط الشوْقِ‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏فاستجاب لَهُ رَبُّهُ‏}‏ أي‏:‏ أجابه إِلى إِرادته، وصَرَفَ عنه كَيْدُهِنَّ؛ في أنْ حال بيْنَه وبين المَعْصية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ‏(‏35‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ‏}‏‏:‏ ‏{‏بَدَا‏}‏ معناه‏:‏ ظهر، ولما أبَى يوسُفُ عليه السلام من المعصية، وَيَئِسَتْ منه امرأة العزيزِ، طالبته بأَنْ قالتْ لزوجها‏:‏ إِنَّ هذا الغُلاَمَ العِبْرَانِيَّ قد فَضَحَنِي في النَّاس، وهو يَعْتَذِرُ إِليهم، ويَصِفُ الأَمْرَ بحَسَب اختياره، وأنا محبوسَةٌ محجوبَةٌ، فإِما أَذنْتَ لي، فخرجْتُ إِلى الناس، فاعتذرت وكذَّبته، وإِما حَبَسْتَه كما أنا محبوسةٌ، فحينئذٍ بَدَا لَهُمْ سَجْنُهُ‏.‏

* ع *‏:‏ و‏{‏لَيَسْجُنُنَّهُ‏}‏‏:‏ جملة دخَلَتْ عليها لام قسمٍ، و‏{‏الأيات‏}‏‏:‏ ذكر فيها أهْلُ التفسير؛ أنها قَدُّ القميص، وخَمْشُ الوجهِ، وحَزُّ النساءِ أيديَهُنَّ، وكلامُ الصبيِّ؛ على ما رُوِيَ‏.‏

قال * ع *‏:‏ ومَقْصِدُ الكلامِ إِنما هو أنهم رَأَوْا سَجْنه بعد ظهورِ الآياتِ المُبَرِّئة له مِنَ التهْمة، فهكذا يَبِينُ ظُلْمُهم لَهُ وَال ‏{‏حِينٍ‏}‏؛ في كلام العرب، وفي هذه الآية الوَقْت من الزمان غَير محدودٍ يقع للقليلِ والكثيرِ، وذلك بَيِّن من موارده في القرآن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 38‏]‏

‏{‏وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏36‏)‏ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ‏(‏37‏)‏ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ فسجَنُوهُ، فَدَخَلَ معه السجْنَ، غلامانِ سُجِنَا أيضاً، ورُوِيَ أنهما كانا للمَلِكِ الأعظَمِ الوَلِيدِ بْنِ الرَّيَّانِ؛ أحدهما‏:‏ خَبَّازه، واسمه مجلث، والآخر‏:‏ ساقيه، واسمه نبو، ورُوِيَ أَنَّ المَلِكَ اتهمهما بأن الخَبَّاز منهما أرادَ سَمَّه، ووافَقَهُ على ذلك السَّاقِي، فسجنهما، قاله السديُّ، فلما دخل يوسُفُ السجْنَ، استمال الناسَ فيه بحُسْن حديثه وفَضْله ونبله، وكان يُسَلِّي حزينهم، ويعودُ مريضَهُمْ، ويسأل لفقيرِهِمْ، ويندُبُهُمْ إِلى الخيرِ، فأَحبه الفَتَيَانِ، ولزماه، وأحبه صاحِبُ السجْنِ، والقَيِّم عليه، وكان يوسُفُ عليه السلام قد قال لأَهْلِ السجْنِ‏:‏ إِني أَعْبُرُ الرؤيا، وأَجيدُ، فرُوِيَ عن ابن مسعودٍ‏:‏ أن الفتَيَيْنِ استعملا هاتَيْنِ المنَامَتَيْنِ ليجرِّباه‏.‏ وروي عن مجاهدٍ‏:‏ أَنهما رأيا ذلك حقيقةً، قال أحدهما‏:‏ إِني أراني أعصرُ خَمْراً‏:‏ قيل فيه‏:‏ إِنه سَمَّى العِنَبَ خمراً، بالمآلِ، وقيل‏:‏ هي لغةُ أزدِ عُمَان؛ يسمُّون العِنَبَ خَمْراً، وفي قراءة أُبيٍّ وابن مسعودٍ‏:‏ «أَعْصِرُ عِنَباً»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين‏}‏‏:‏ قال الجمهور‏:‏ يريدان في العِلْم، وقال الضَّحَّاك وقتادة‏:‏ المعنى‏:‏ من المحسنين في جَرْيه مع أهْل السِّجْنِ وإِجماله معهم‏.‏

وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا‏}‏‏:‏ رُويَ عن السُّدِّيِّ وابن إِسحاق‏:‏ أن يوسُفَ عليه السلام لما عَلِمَ شدَّة تعبيرِ مَنَامَةِ الرائي الخُبْزَ، وأنها تُؤْذِنَ بقتله، ذهب إِلى غير ذلك من الحديثِ عَسَى أَلاَّ يطالباه بالتعْبير، فقال لهما؛ مُعْلِماً بعظيمِ عِلْمِهِ للتعبيرِ‏:‏ إِنه لا يجيئُكما طعَامٌ في نومكما تَرَيَانِ أَنكما رُزِقْتُمَاهُ إِلاَّ أعلمتكما بتأويلِ ذلك الطَّعَامِ، أي‏:‏ بما يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمره في اليقظة قَبْلَ أن يظهر ذلك التأويلُ الذي أُعْلِمُكُما به، فرُوِيَ أنهما قالا‏:‏ ومِنْ أينَ لَكَ ما تَدَّعيه مِنَ العِلْمِ، وأنْتَ لَسْتَ بِكَاهِنٍ ولا منجِّم‏؟‏‏!‏ فقالَ لهما‏:‏ ذَلِكَ مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، ثم نهض يُنْحِي لهما على الكُفْر ويقبِّحه، ويحسِّن الإِيمان باللَّه، فرُوِيَ أنه قصد بذلك وجْهَيْنِ؛ أَحدهما‏:‏ تنسيَتُهما أمْرَ تعبيرِ ما سألا عنْه؛ إِذ في ذلك النِّذَارةُ بقَتْل أحدهما، والآخر‏:‏ الطماعيَةُ في إِيمانهما؛ ليأخذ المَقْتُولُ بحظِّه من الإِيمان، وتسلم له آخرته، وقال ابنُ جُرَيْج‏:‏ أراد يوسُفُ عليه السلام لا يأتيكما طعامٌ في اليقظة‏.‏

قال * ع *‏:‏ فعلى هذا إِنما أعلمهم بأنه يعلم مغيَّباتٍ لا تعلُّق لها برؤْيَا، وقصد بذلك أحَدَ الوجهَيْنِ المتقدِّمين، وهذا على ما روي أنه نبئ في السجن فإِخباره كإِخبار عيسَى عليه السلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تَرَكْتُ‏}‏، مع أنه لم يتشبَّثْ بها جائزٌ صحيحٌ؛ وذلك أنه أخبر عن تجنّبه من أول بالترك، وساق لفظ التَّرْك استجلابا لهما عسَى أن يتركا الترْكَ الحقيقيَّ الذي هو بَعْد الأخْذ في الشيء، والقَوْمُ المتروكُ ملتهم‏:‏ المَلِكَ وأتباعه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واتبعت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تمَادٍ من يوسُفَ عليه السلام في دعائهما إِلى الملَّة الحنيفيَّة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْءٍ‏}‏، «مِنْ»‏:‏ هي الزائدةُ المؤكِّدة التي تكونُ مع الجُحُودِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَشْكُرُونَ‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ الشكْرَ التَّامَّ الذي فيه الإِيمانُ باللَّه عزَّ وجلَّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 42‏]‏

‏{‏يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ‏(‏39‏)‏ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏40‏)‏ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ‏(‏41‏)‏ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ياصاحبي السجن ءأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار‏}‏‏:‏ وصْفُه لهما ب ‏{‏ياصاحبي السجن‏}‏ من حيثُ سُكْنَاه؛ كما قال‏:‏ ‏{‏أصحاب الجنة‏}‏ و‏{‏أصحاب النار‏}‏ ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صُحْبَتَهُما له في السِّجْنِ، كأنه قال‏:‏ يا صَاحِبَايَ في السجْنِ، وعرْضُه عليهما بطلاَن أمْرِ الأوثان بأنْ وصَفَها بالتفرُّق، ووَصْفُ اللَّه تعالى بالوَحْدة والقَهْر تلطُّفٌ حَسَنٌ، وأخْذٌ بيسيرِ الحُجَّة قبل كثيرها الذي ربَّما نَفَرَتْ منه طباعُ الجَاهِلِ وعانَدَتْه، وهكذا الوجْهُ في محاجَّة الجاهِلِ‏:‏ أَنْ يؤخَذَ بدَرَجَةٍ يسيرةٍ من الاحتجاج يقبلها، فإِذا قبلها، لزمته عَنْها درجةٌ أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصلَ إِلى الحقِّ، وإِن أُخِذَ الجاهلُ بجميعِ المَذْهَبِ الذي يُسَاقُ إِليه دفعةً أباه للحين وعانَدَهُ، ولقد ابتلي بأربابٍ متفرِّقين مَنْ يَخْدُم أبناء الدنيا ويؤمِّلهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ مسمَّيات، ويحتملُ- وهو الراجحُ المختار- أن يريد‏:‏ ما تَعْبُدُون من دونه ألوهيَّة، ولا لكُمْ تعلُّق بإله إِلا بحَسَبِ أنْ سمَّيْتُمْ أصنامكم آلهةً، فليستْ عبادتكم للَّه إِلا بالاسم فقطْ لا بالحقيقة، وأما الحقيقة‏:‏ فَهِيَ وسائرُ الحجارة والخَشَب سواءٌ، وإِنما تعلَّقت عبادتكم بحَسَبِ الاسم الذي وضعت، فذلك هو مبعودُكُمْ، ومفعولُ «سميتم» الثاني محذوفٌ، تقديره‏:‏ آلهة؛ هذا على أن الأسماء يراد بها ذواتُ الأصنام، وأما على المعنى المُخْتارِ من أنَّ عبادتهم إِنما هي لمعانٍ تعطيها الأسماءُ، وليسَتْ موجودةً في الأصنام، فقوله‏:‏ ‏{‏سَمَّيْتُمُوهَا‏}‏ بمنزلةِ وضَعْتُمُوهَا، ‏{‏إِنِ الحكم إِلاَّ لِلَّهِ‏}‏‏:‏ أي ليس لأصنامكم، و‏{‏القيم‏}‏‏:‏ معناه المستقيمُ، و‏{‏أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏؛ لجهالتهم وكُفْرهم، ثم نادَى‏:‏ ‏{‏ياصاحبي السجن‏}‏ ثانيةً؛ لتجتمع أنفسهما، لسماعِ الجواب، فروي أنه قال لنبو‏:‏ أمَّا أنْتَ، فتعودُ إِلى مرتبتك وسقايةِ ربِّك، وقال لمجلث‏:‏ أما أنْتَ، فتُصْلَب، وذلك كلَّه بعد ثلاثٍ، فروي أنهما قالا له‏:‏ ما رَأَيْنَا شيئاً، وإِنما تحالمنا لنجرِّبك، وروي أنه لم يَقُلْ ذلك إِلا الذي حدَّثه بالصَّلْبِ، وقيل‏:‏ كانا رَأَيَا، ثم أنْكَرا، ثم أخبرهما يوسُفُ عَنْ غَيْبِ عِلمَهُ من اللَّه تعالى، أَن الأمر قد قُضِيَ ووافَقَ القدر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الظَّنُّ؛ هنا‏:‏ بمعنى اليقين؛ لأن ما تقدَّم من قوله‏:‏ ‏{‏قُضِيَ الأمر‏}‏ يلزم ذلك، وقال قتادة‏:‏ الظنُّ هنا على بابه؛ لأن عبارة الرؤْيا ظنٌّ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وقول يوسف عليه السلام‏:‏ ‏{‏قُضِيَ الأمر‏}‏‏:‏ دالٌّ على وحْيٍ، ولا يترتَّب قول قتادة إِلا بأَن يكون معنى قوله‏:‏ ‏{‏قُضِيَ الأمر‏}‏‏:‏ أيْ‏:‏ قُضِيَ كلامِي، وقلْتُ ما عِنْدي، وَتَمَّ، واللَّه أعلم بما يكُونُ بَعْدُ، وفي الآية تأويلٌ آخر‏:‏ وهو أن يكون «ظَنَّ» مسنداً إِلى الذي قيل له‏:‏ إِنه يسقي ربه خمراً؛ لأنه داخَلَه السرور بما بُشِّر به، وغلَبَ على ظَنِّه ومعتَقَدِهِ أَنه ناج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 45‏]‏

‏{‏وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ‏(‏43‏)‏ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ‏(‏44‏)‏ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الملك إِنِّي أرى سَبْعَ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ‏}‏‏:‏ روي أنه قال‏:‏ رَأَيْتُهَا خَارجةً من نَهْرٍ، وخرجَتْ وراءَها سَبْعٌ عِجاف، فأكلَتْ تلك السِّمان، وحَصَلَتْ في بطونها، ورأى السنابلَ أيضاً؛ كما ذكر، و«ال ‏{‏عِجَافٌ‏}‏‏:‏ التي بَلَغَتْ غايةَ الهُزَال، ثم قال لحاضريه‏:‏ ‏{‏ياأيها الملأ أَفْتُونِي فِي رءياي إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ‏}‏، وعبارة الرؤية‏:‏ مأخوذة منْ عَبْرِ النَّهْرِ، وهو تجاوزه مِنْ شَطٍّ إِلى شَطِّ، فكأنَّ عابر الرؤيا يَنْتَهِي إِلى آخر تأويلها‏.‏

قال * ص *‏:‏ وإِنما لم يضفْ «سبع» إِلى عِجَافٍ؛ لأنَّ اسم العدد لا يضاف إِلى الصفة إِلا في الشِّعْرِ، انتهى‏.‏

وقولهُ سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «الضِّغْثِ»؛ في كلام العرب‏:‏ أقَلُّ من الحُزْمة، وأكثَرُ من القَبْضة من النباتِ والعُشْبِ ونحوه، وربَّما كان ذلك مِنْ جنْسٍ واحدٍ، وربما كان من أخْلاَط النباتِ، والمعنى‏:‏ أنَّ هذا الذي رأَيْتَ أيها الملكُ اختلاط من الأحلامِ بسَبَبِ النوم، ولسنا من أهْلِ العلْمِ بما هو مختلطٌ ورديءٌ، وال ‏{‏أَحْلاَمٍ‏}‏‏:‏ جمع حُلْم، وهو ما يخيَّل إِلى الإِنسان في منامه، والأحلام والرؤيا ممَّا أثبتَتْه الشريعةُ، وقال رُسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ مِنَ المُبَشِّرَةِ وَالحُلْمُ المُحْزِنُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ‏:‏ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ ‏"‏ وما كان عن حديث النفْسِ في اليقظة، فإِنه لا يلتفت إِليه، ولما سمع الساقي الذي نجا هذه المقالَةَ من المَلِكِ، ومُرَاجَعَةَ أصحابه، تذكَّر يوسُف، وعلْمَهُ بالتأويل، فقال مقالَتَه في هذه الآية، ‏{‏وادكر‏}‏‏:‏ أصله‏:‏ «اذتكر» من الذِّكْرِ، فقلبتِ التاء دالاً، وأدغم الأول في الثاني، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «بَعْدَ أُمَّةٍ»، وهي المدَّة من الدهر، وقرأ ابن عباس وجماعة‏:‏ «بَعْدَ أَمَةٍ»، وهو النسيانُ، وقرأ مجاهد وشبل‏:‏ «بَعْدَ أَمْةٍ»- بسكون الميم-، وهو مصْدَرٌ من «أَمِهَ»؛ إِذا نَسِيَ، وبقوله‏:‏ ‏{‏ادكر‏}‏ يقوِّي قول من قال‏:‏ إِن الضمير في «أنساه» عائدٌ على الساقي، والأمر محتمل، وقرأ الجمهور‏:‏ «أَنا أُنَبِّئُكُمْ»، وقرأ الحسن بْنُ أَبي الحسن‏:‏ «أَنَا آتِيكُمْ»، وكذلك في مُصْحَف أُبيٍّ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَرْسِلُونِ‏}‏‏:‏ استئذان في المُضِيِّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 49‏]‏

‏{‏يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏46‏)‏ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ‏(‏47‏)‏ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ‏(‏48‏)‏ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ فجاء الرسُولُ، وهو الساقِي، إِلى يوسُفَ، فقال له‏:‏ يوسُفُ أيها الصديق، وسمَّاه صِدِّيقاً من حيث كانَ جَرَّب صَدقه في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهو بناء مبالغة مِنَ الصِّدْق، ثم قال له‏:‏ ‏{‏أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بقرات‏}‏، أي‏:‏ فيمَنْ رأَى في المنامِ سَبْعَ بقراتٍ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏، أي‏:‏ تأويل هذه الرؤيا، فيزولَ هَمُّ المَلِكِ لذلك، وهَمُّ الناس، وقيل‏:‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ مكانَتَك من العلْمِ، وكُنُهَ فضلك؛ فيكونَ ذلك سبباً لتخلُّصك و‏{‏دَأَبًا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ ملازمةً لعادَتِكم في الزِّراعة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ‏}‏‏:‏ إِشارة برَأْي نافعٍ؛ بحسب طعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِهَا التي لا تبقَى عامين بوجْهٍ إِلا بحيلةِ إِبقائها في السُّنْبُلِ، والمعنَى‏:‏ اتركوا الزرْعَ في السُّنبُلِ إِلا ما لا غِنَى عنه للأكْلِ فيجتمع الطَّعام هكذا، ويتركَّب ويؤكَل الأَقْدَمُ فالأقدم، وروي أنَّ يوسُفَ عليه السلام لَمَّا خَرَجَ وَوَصَفَ هذا الترتيبَ للمَلِكِ، وأعجبه أمره، قال له المَلِكُ‏:‏ قَدْ أسْنَدتُّ إِليك تولِّيَ هذا الأمْرِ في الأطْعِمَةِ هذه السنينَ المُقْبِلَة، فكان هذا أوَّلَ ما وَلِيَ يوسُفُ، و‏{‏تُحْصِنُونَ‏}‏ معناه‏:‏ تحرزون وتخزنون؛ قاله ابن عباس، وهو مأخوذٌ من الحِصْنِ، وهو الحِرْز والمَلْجَأُ؛ ومنه‏:‏ تحصُّن النساءِ؛ لأنه بمعنى التحرُّز‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يُغَاثُ الناس‏}‏‏:‏ جائز أنْ يكون من الغَيث، وهو قول ابن عبَّاس، وجمهور المفسِّرين، أي‏:‏ يُمْطَرُون، وجائزٌ أنْ يكون من أغاثهم اللَّهُ‏:‏ إِذا فَرَّجَ عنهم؛ ومنه الغَوْث، وهو الفَرَجُ، ‏{‏وَفِيهِ يَعْصِرُونَ‏}‏‏:‏ قال جمهور المفسِّرين‏:‏ هي من عَصْر النباتاتِ، كالزيتون، والعَنَبِ، والقَصَبِ، والسِّمْسِمِ، والفِجْلِ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لأشياء كثيرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 53‏]‏

‏{‏وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ‏(‏50‏)‏ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏51‏)‏ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ‏(‏52‏)‏ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏53‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لمَّا رأى المَلِكُ وحاضروه نُبْلَ التَّعْبِير وحُسْنَ الرأْيِ، وتضمَّن الغيب في أمْر العامِ الثامِنِ، مع ما وُصِفَ به من الصِّدْق عَظُمَ يوسُفُ في نَفْس الملك، وقال‏:‏ ‏{‏ائتوني بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرسول قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ‏}‏‏:‏ يعني‏:‏ المَلِكَ، ‏{‏فَسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ‏}‏، وقصْدُه عَلَيْه السلام بيانُ براءته، وتحقُّق منزلته من العِفَّة والخَيْرِ، فرسَمَ القصَّة بطَرَف منها، إِذا وقع النظَرُ عَلَيْه، بان الأمْرُ كله، وَنَكَبَ عن ذِكْرِ امرأة العزيز؛ حُسْنَ عِشْرةٍ ورعايةٍ لذِمَامِ مُلْك العزيز له، وفي «صحيح البخاري»، عن عبد الرحمن بن القاسِمِ صاحبِ مَالِكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ لُبْثَ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِي ‏"‏ المعنى‏:‏ لو كُنْتَ أنا، لَبَادَرْتُ بالخروج، ثم حاوَلْتُ بيان عُذْرِي بَعْدَ ذلك؛ وذلك أَنَّ هذه القصص والنوازل، إِنما هي معرَّضة ليقتدي النَّاسُ بها إِلى يوم القيامة، فأراد صلى الله عليه وسلم حَمْلَ الناسِ على الأحزمِ من الأمورِ؛ وذلك أن التارِكَ لمِثْلِ هذه الفُرْصَة ربَّما نَتَجَ له بسَبَبِ التأخير خلاَفُ مقصوده، وإِن كان يوسف قد أَمِنَ ذلك؛ بِعِلْمِهِ من اللَّه، فغيْرهُ من الناس لا يأمَنُ ذلك، فالحالة التي ذَهَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بنفسه إِلَيْها حالَةُ حَزْمٍ ومدحٍ؛ ليقتدى به، وما فعله يوسَفُ عليه السلام حالةُ صَبْرٍ وتجلُّد، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ وانظر إِلى عظيمِ حلْمِ يوسُف عليه السلام وَوُفُورِ أدبه، كيف قال‏:‏ ‏{‏مَا بَالُ النسوة الاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ‏}‏، فذكر النساءَ جملةً؛ لتدخُلَ فيهنَّ امرأة العزيزِ مدْخَلَ العمومِ؛ بالتلويحِ دون التصريح‏.‏ انتهى‏.‏ وهذه كانَتْ أخلاقُ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، لا يقابل أحداً بمكروهٍ، وإِنما يقول‏:‏ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا»، من غير تعيينٍ، وبالجملة فكلُّ خَصْلة حميدةٍ مذكُورَةٍ في القُرآنَ اتصف بها الأنبياءُ والأصفياءُ، فقد اتصف بها نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، إِذ كان خلقه القرآن، كما روته عائشةُ في الصحيحِ، وكما ذكر اللَّه سبحانه‏:‏ ‏{‏أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 90‏]‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ‏}‏، فيه وعيدٌ، وقوله‏:‏ ‏{‏مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسوة، وامرأة العزيزِ معَهُنَّ، وقال لهنَّ‏:‏ ‏{‏مَا خَطْبُكُنَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أي‏:‏ أيُّ شيء كانَتْ قصَّتَكُن، فجاوب النساءُ بجوابٍ جيدٍ، تظهر منه براءَةُ أَنفُسِهِنَّ، وأعطَيْنَ يوسُفَ بعْضَ براءةٍ، فقلْنَ‏:‏ ‏{‏حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ‏}‏، فلما سمعت امرأة العزيزِ مقالَتَهُنَّ وَحَيْدَتَهُنَّ، حضَرَتْها نيَّةٌ وتحقيقٌ، فقالتِ‏:‏ ‏{‏الآن حَصْحَصَ الحق‏}‏، أي‏:‏ تبيَّنَ الحقُّ بعد خفائِهِ؛ قاله الخليل وغيره، قال البخاريُّ‏:‏ حَاشَ وحَاشَى‏:‏ تنزيهٌ واستثناء، وحَصْحَصَ‏:‏ وَضَح‏.‏ انتهى‏.‏

ثم أقرَّتْ على نفسها بالمراودةِ، والتزمت الذنْبَ، وأبرأَتْ يوسُفَ البراءةَ التامَّة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب‏}‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏:‏ اختلف فيه أَهْلُ التأويل، هل هو مِنْ قولِ يوسُفَ أَو من قول امرأة العَزِيزِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 57‏]‏

‏{‏وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ‏(‏54‏)‏ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ‏(‏55‏)‏ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏56‏)‏ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ أن الملك، لَمَّا تَبَيَّنَتْ له براءة يُوسُفُ وتحقَّق في القصَّة أمانته، وفَهِمَ أيضاً صبره وعُلُوَّ همته، عظُمَتْ عنده منزلتُهُ، وتيقَّن حُسْنَ خلاله، فقال‏:‏ ‏{‏ائتوني بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي‏}‏، فلما جاءه وكلَّمه قال‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ‏}‏‏:‏ قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ متمكِّن مما أردتَّ، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء؛ أمَّا أمانته فلظهورِ براءَتِهِ، وأمَّا مكانته، فلثبوت عفَّته‏:‏ ونَزَاهَتِهِ انتهى، وَلَمَّا فهم يوسُفُ عليه السلام من المَلِكِ أنَّه عزم على تصريفه والاستعانة بِنَظَرِهِ، قال‏:‏ ‏{‏اجعلني على خَزَائِنِ الأرض‏}‏، لما في ذلك من مصالح العباد‏.‏

قال * ع *‏:‏ وطِلبَةُ يوسُفَ للعملِ إِنما هي حِسْبَةٌ منه عليه السلام في رغبته في أنْ يقع العدلُ، وجائزٌ أيضاً للمرء أنْ يُثْنِيَ على نفسه بِالْحَقِّ، إِذا جهل أمره، و‏{‏خَزَائِنِ‏}‏‏:‏ لفظٌ عامٌّ لجميع ما تختزنه المَمْلَكَة من طعامٍ ومالٍ وغيره‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض‏}‏‏:‏ الإِشارة ب «ذلك» إِلى جميع ما تقدَّم من جميلِ صنعِ اللَّه به، فروي أن العزيز ماتَ في تلك الليالي، وقال ابنُ إِسحاق‏:‏ بل عَزَلَه المَلِكُ، ثم مات أظفير، فولاه المَلِكُ مكانَهُ، وَزَوَّجَه زوجَتَهُ، فلما دخَلَتْ علَيْه عَرُوساً، قال لها‏:‏ أَلَيْسَ هذا خيراً مما كُنْتِ أردتِّ، فدخَلَ يوسُفُ بها، فَوَجَدَهَا بكْراً، وولَدَتْ له ولدَيْنِ، ورُوِيَ أيضاً؛ أَنَّ الملك عزَلَ العزيزَ، وولَّى يوسُفَ موضعَهُ، ثم عظُمَ مُلْكُ يوسُفَ وتغلَّب على حالِ المَلِكِ أجمع، قال مجاهدٌ‏:‏ وأسْلَمَ المَلِكِ آخِرَ أمْره، ودَرَسَ أمر العزيز، وذهبتْ دنياه، وماتَ، وافتقرت زوجته، وشاخَتْ، فلما كان في بعض الأيامِ، لَقِيَتْ يوسُفَ في طريقٍ، والجنودُ حوله ووراءه، وعلى رأسه بُنُودٌ عليها مكتوبٌ‏:‏ ‏{‏هذه سَبِيلِي أَدْعُواْ إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 108‏]‏ فَصَاحَتْ به، وقالَتْ‏:‏ سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ أَعَزَّ العبيدَ بالطَّاعةَ، وأذَلَّ الأربابَ بالمَعْصِيةِ، فعرفَهَا، وقالَتْ له‏:‏ تَعَطَّفَ عَلَيَّ وارزقني شيئاً، فدعا لها، وكلَّمها، وأشفَقَ لحالها ودعا اللَّه تعالى فرَدَّ عليها جمالَهَا، وتزوَّجها، ورُوِيَ في نحو هذا مِنَ القصص ما لا يُوقَفُ على صحَّته، ويطولُ الكلامُ بسَوْقه، وباقي الآية بيِّن واضحٌ للمستبصرين، ونورٌ وشفاءٌ لقلوب العارفين‏.‏

وقوله‏:‏ «لِيُوسُفَ»‏:‏ أبو البقاء‏:‏ اللام زائدةٌ، أي‏:‏ مَكَّنّا يُوسُفَ، ويجوز ألا تكون زائدة، فالمفعول محذوفٌ، أي‏:‏ مكنا ليوسف الأمورَ‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 67‏]‏

‏{‏وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ‏(‏58‏)‏ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ‏(‏59‏)‏ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ ‏(‏60‏)‏ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ‏(‏61‏)‏ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏62‏)‏ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ‏(‏63‏)‏ قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏64‏)‏ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ‏(‏65‏)‏ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ‏(‏66‏)‏ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ‏}‏، قال السدِّيُّ وغيره‏:‏ سبب مجيئهم أنَّ المجاعة اتصلت ببلادِهِمْ، وكان النَّاس يمتارُونَ مِنْ عنْد يوسُف، وهو في رتبة العزيز المتقدِّم، وكان لا يعطي الوارد أكثر مِنْ حِملٍ بَعِيرٍ يُسَوِّي بين الناس، فلما ورد إِخوته، عَرَفَهم، ولم يَعْرفُوه لِبُعْدِ العهد وتغيُّر سنِّه، ولم يقعْ لهم بَسَبِب مُلْكه ولسانِهِ القبْطِيِّ ظنٌّ عليه، ورُوِيَ في بعض القصص، أنه لما عرفهم أراد أنْ يخبروه بجميعِ أمرهم، فباحَثَهُمْ بأنْ قال لهم بتَرْجُمَانٍ‏:‏ «أُظنُّكُمْ جواسِيسَ»، فاحتاجوا حينئذٍ إِلى التعريفِ بأنفسهم، فقالوا‏:‏ نَحْنُ أبناءُ رجُلٍ صِدِّيقٍ، وكنا اثْنَيْ عَشَرَ ذهب منَّا واحدٌ في البَرِّيَّة، وبقي أصغرنا عنْدَ أبينا، وجئْنَا نَحْن للميرة، وسقنا بعير الباقي منَّا، وكنا عَشَرَةً، ولهم أحدَ عَشَرَ بعيراً، فقال لهم يوسف‏:‏ ولِمَ تخلَّفَ أحدكم‏؟‏ قالوا‏:‏ لمحبَّة أبينا فيه، قال‏:‏ فأتوا بهذا الأخِ؛ حتى أعلم حقيقة قَوْلِكم، وأرَى لِمَ أحَبُّهُ أبوكم أَكْثَرَ منكم؛ إِن كنتم صادقين، وروي في القصص أنهم وَرَدُوا مصْرَ واستأذنوا على العزيز، وانتسبوا في الاستئذان، فعرفَهُمْ، وأمر بإِنزالهم وأدخَلَهم في ثاني يومٍ على هيئة عظيمةٍ لمُلْكِه، وروي أنه كان متلثِّماً أبداً سَتْراً لجماله، وأنه كان يأخذ الصُّوَاع، فينقره، ويَفْهم منْ طنينه صدْقَ الحديثِ منْ كذبه، فَسُئِلوا عن أخبارهم، فكلَّما صدقوا، قال لهم يوسف‏:‏ صَدَقْتم، فلما قالوا‏:‏ وكَانَ لَنَا أخٌ أكله الذِّئب، أطنَّ يوسُفُ الصُّواع، وقال‏:‏ كَذَبْتم، ثم تغيَّر لهم، وقال‏:‏ أراكُمْ جواسيسَ، وكلَّفهم سَوْقَ الأخ الباقي؛ ليظهر صدْقُهم في ذلك؛ في قصصٍ طويلٍ، جاءت الإِشارة إِليه في القرآن، «والجهاز» ما يحتاج إِليه المسافر من زَادٍ ومتاعٍ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِأَخٍ لَّكُم‏}‏ * ص *‏:‏ نَكَّرَهُ، ليريهم أنه لا يعرفُهُ، وفَرْقٌ بين غلامٍ لك، وبين غلامِكَ، ففي الأول أنت جاهلٌ به، وفي الثاني أنْتَ عالمٌ، لأن التعريف به يفيدُ نَوْعَ عهدٍ في الغلامِ بَيْنَكَ وبين المخاطَب، انتهى‏.‏

وقول يوسف‏:‏ ‏{‏أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الكيل‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ يرغِّبهم في نفسه آخراً ويؤَنِّسهم ويَسْتميلهم، و‏{‏المنزلين‏}‏‏:‏ يعني‏:‏ المُضِيفين، ثم توعَّدهم بقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ‏}‏، أي‏:‏ في المستأنف، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ كَانَ يُوسُفُ يُلْقِي حَصَاةً في إِنَاءِ فِضَّةٍ مَخُوصٍ بالذَّهَبِ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ لَهُمْ‏:‏ إِنَّ هَذَا الإِنَاءَ يُخْبِرُنِي أَنَّ لَكُمْ أَباً شَيْخاً ‏"‏، ورُوِيَ أنَّ ذلك الإِناء به كان يَكِيلُ الطعامَ، إِظهاراً لِعزَّته بحسب غَلاَئِهِ، وروي أن يوسُفَ استوفى في تلك السنين أمْوَالَ الناسِ، ثم أملاكَهم، وظاهر كُلِّ ما فعله يوسُفُ معهم أنَّه بوحْيٍ وأمْرٍ، وإِلا فَكَانَ بِرُّ يعقوب يقتضي أن يبادِرَ إِلَيْهِ ويستَدْعيه، لكنَّ اللَّه تَعَالى أَعلمه بما يَصْنَعُ؛ ليكمل أجْرَ يعقوب ومِحْنته، وتتفسَّر الرؤيا الأُولى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ لعلَّهم يعرفون لها يداً وتكرمةً يَرَوْنَ حقَّها؛ فيرغبون في الرجوعِ إِلينا، وأما مَيْزُ البِضَاعة، فلا يُقَالُ فيه‏:‏ «لَعَلَّ» وقيل‏:‏ قصد يوسف بِرَدِّ البضاعة أنْ يتحرَّجوا مِنْ أخْذِ الطعامِ بِلا ثَمنٍ، فيرجعوا لدَفْعِ الثمنِ، وهذا ضعيفٌ من وجوهٍ، وسرُورُهُم بالبضَاعةِ، وقولهم‏:‏ ‏{‏هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا‏}‏ يكشف أنَّ يوسف لم يَقْصِدْ هذا، وإِنما قصد أنْ يستميلهم، ويصلهم، ويُظْهِر أَنَّ ما فعله يوسف من صلتهم وجَبْرهم في تِلْكَ الشِّدَّة كان واجباً عليه، وقيلَ‏:‏ عَلِمَ عَدَمَ البضاعةِ والدَّراهمِ عند أبيه؛ فرَدَّ البضاعة إِليهم؛ لئِلاَّ يمنعهم العُدْمُ من الرجوعِ إِليه، وقيل‏:‏ جعلها توطئةً لجعل السقاية في رَحْلِ أخيه بعد ذلك، ليبيِّن أنه لم يَسْرِقْ لمن يتأمَّل القصَّة، والظاهر منَ القصَّة أنه إِنما أَراد الاستئلاف وصِلَةَ الرحِمِ، وأصْلُ «نَكْتَلْ»‏:‏ «نَكْتَئِل»، وقولهم‏:‏ ‏{‏مُنِعَ مِنَّا الكيل‏}‏‏:‏ ظاهره أنهم أشاروا إِلى قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي‏}‏، فهو خوفٌ في المستأنفِ، وقيل‏:‏ أشاروا إِلى بعيرِ يَامِينَ، والأولْ أرجَحُ، ثم تضمَّنوا له حِفْظَه وحَيْطَته، وقول يعقوبَ عليه السلام‏:‏ ‏{‏هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «هَلْ» توقيفٌ وتقريرٌ ولم يصرِّح بمنعهم مِنْ حمله؛ لما رأَى في ذلك مِنَ المصلحة، لكنَّه أعلمهم بقلَّة طَمَأْنينَتِهِ إِليهم، ولكنْ ظاهر أمرهم أنهم قد أنابُوا إِلى اللَّه سُبْحانه، وانتقلَتْ حالهم، فلم يَخَفْ على يَامِينَ، كخوفه علَى يوسُفَ، وقرأ نافعٌ وغيره‏:‏ «خَيْرٌ حِفْظاً»، وقرأ حمزة وغيره‏:‏ «خَيْرٌ حَافِظاً»، ونصب ذلك في القراءتين؛ على التمييز والمعنى‏:‏ أنَّ حفظ اللَّه خَيْرٌ من حفْظِكم، فاستسلم يعقوبُ عليه السلام للَّهِ، وتوكَّل علَيْه، وقولهم‏:‏ ‏{‏مَا نَبْغِي‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ تكون «ما» استفهاما؛ قاله قتادة‏:‏ و‏{‏نَبْغِي‏}‏‏:‏ من البُغْية، أي‏:‏ ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هذه التَّكْرِمَة؛ هذا مَالُنَا رُدَّ إِلينا مع مِيرَتِنا، قال الزَّجَّاج‏:‏ ويحتمل أنْ تكون «ما» نافية، أي‏:‏ ما بقي لنا ما نَطْلُبُ، ويحتمل أنْ تكون أيضاً نافيةً، و‏{‏نَبْغِي‏}‏ من البَغْيِ، أي‏:‏ ما تَعَدَّيْنا فَكَذَبْنا على هذا المَلِكِ، ولا في وَصْف إِجماله وإِكرامه، هذه البضاعةُ رُدَّت إِلينا، وقرأ أبو حَيْوة‏:‏ «ما تَبْغِي»؛ على مخاطبة يعقوبَ، وهي بمعنى ما تُرِيدُ، وما تطلب وقولهم‏:‏ ‏{‏وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ‏}‏ يريدون بَعِيرَ أخيهم؛ إِذ كان يوسُفُ إِنما حمل لهم عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ، ولم يحملِ الحادِيَ عشر؛ لغيب صاحبه، وقولهم‏:‏ ‏{‏ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ يسيرٌ على يوسف أنْ يعطيه‏.‏

وقال السدِّيَّ‏:‏ ‏{‏يَسِيرٌ‏}‏، أي‏:‏ سريع لاَ نُحْبَسُ فيه ولا نُمْطَلُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ‏}‏ الآية‏:‏ أي لمَّا عاهدوه، أشْهَدَ اللَّه بينه وبينهم بقوله‏:‏ ‏{‏الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ‏}‏، و«الوكيلُ»‏:‏ القيِّم الحافظُ الضَّامن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ‏}‏‏:‏ لفظٌ عامٌّ لجميع وجوه الغَلَبة، وانظر أنَّ يعقوبَ عليه السلام قد توثَّق في هذه القصَّة، وأشْهَدَ اللَّه تعالى، ووصَّى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكُّله، فهذا توكُّل مع سبب، وهو توكُّل جميعِ المؤمنين إِلا مَنْ شَذَّ في رَفْض السعْي بالكليَّة، وقَنِعَ بالماء وبَقْلِ البَرِّيَّة، فتلك غايَةُ التوكُّل، وعليها بعضُ الأنبياء عليهم السلام، والشارعُونَ منهم مثبتون سُنَنَ التسبُّب الجائز، قال الشيخُ العارِفُ باللَّه عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ رضي اللَّه عنه‏:‏ وقد اشتمل القُرْآنَ على أَحكامٍ عديدةٍ، فمنها‏:‏ التعلُّق باللَّه تعالَى، وتركُ الأسبابِ، ومنها‏:‏ عمل الأسبابِ في الظاهِرِ، وخُلُوُّ الباطن من التعلُّق بها، وهو أجلُّها وأزكاها؛ لأن ذلك جَمْعٌ بينَ الحكمَةِ وحقيقة التَّوْحيد، وذلك لا يكُونُ إِلا للأفذاذِ الذين مَنَّ اللَّه عليهم بالتوْفِيق؛ ولذلك مَدَحَ اللَّه تعالَى يعقُوبَ عليه الصلاة والسلام في كتابه، فقال‏:‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 68‏]‏ لأنه عمل الأسباب، واجتهد في توفيتها، وهو مقتضَى الحكمةِ، ثم رَدَّ الأمر كلَّه للَّه تعالى، واستسلم إِليه، وهو حقيقةُ التَّوحيد، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ الله مِن شَيْءٍ إِنِ الحكم إِلاَّ لِلَّهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏، فأثنَى اللَّه تعالَى عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ جمعه بَيْن هاتين الحَالَتَيْنِ العظيمتين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ خَشِيَ عليهم العَيْنَ، لكونهم أحَدَ عَشَر لرجلٍ واحدٍ، وكانوا أهْلَ جمالٍ وبَسْطة؛ قاله ابن عباس وغيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏68- 69‏]‏

‏{‏وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏68‏)‏ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم‏}‏، روي أنه لَمَّا ودَّعوا أباهم، قال لهم‏:‏ بَلِّغوا مَلِكَ مِصْر سَلاَمِي، وقولُوا له‏:‏ إِنَّ أَبانا يصلِّي عليك، ويَدْعُو لك، ويَشْكُر صنيعك مَعَنَا، وفي كتاب أبي مَنْصُورٍ المهرانيِّ أنه خاطَبَه بكتابٍ قُرِئ على يوسف، فبكَى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ الله مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا‏}‏‏:‏ بمثابة قولهم‏:‏ لم يكُنْ في ذلك دَفْعُ قَدَرِ اللَّه، بل كان أرَباً ليعقُوبَ قضاه، فالاستثناء ليس من الأولِ، والحاجةُ هي أنْ يكون طَيِّب النفْس بدخولهم من أبواب متفرِّقة؛ خَوْفَ العين، ونظير هذا الفعْلِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَدَّ كُوَّةً في قَبْرٍ بِحَجَرٍ، وقال‏:‏ «إِنَّ هَذَا لاَ يُغْنِي شَيْئاً، ولكِنَّهُ تَطْيِيبٌ لِنَفْسِ الحَيِّ»، ثم أثنى اللَّه عزَّ وجلَّ على يعقوب؛ بأنه لُقِّنَ ما علَّمه اللَّه من هذا المَعْنى، وأن أكثر الناس لَيْسَ كذلك، وقال قتادة‏:‏ معناه‏:‏ لَعَامِلٌ بما علَّمناه، وقال سفيان‏:‏ من لا يعمل لاَ يَكُونُ عالماً‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا لا يعطيه اللفْظُ، أمَّا أنَّه صحيحٌ في نفسه يرجِّحه المعنى وما تقتضيه منزلةُ يعقُوبَ عليه السلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ‏}‏ قال ابنُ إِسحاق وغيره‏:‏ أخبره بأنه أخوهُ حقيقةً، واستكتمه، وقال له‏:‏ لا تبال بكلِّ ما تراه من المَكْروه في تَحَيُّلي في أخْذِكَ منهم، وكان يَامِينُ شقيقَ يُوسُفَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ يشير إِلى ما عمله الإِخوة، ويحتمل الإِشارة إِلى ما يعمله فتيانُ يُوسُفَ من أمْرِ السقاية، ونحو ذلك، و‏{‏تَبْتَئِسْ‏}‏‏:‏ من البُؤْس، أي‏:‏ لا تَحْزَنْ، ولا تَهْتَمَّ، وهكذا عَبَّر المفسِّرون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 72‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ‏(‏70‏)‏ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ‏(‏71‏)‏ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ‏(‏72‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ‏}‏‏:‏ هذا من الكَيْد الذي يَسَّره اللَّه ليوسُفَ عليه السلام، وذلك أنه كان في دين يَعْقُوبَ؛ أنْ يُسْتَبْعَدَ السارقُ، وكان في دِينِ مِصْرَ؛ أن يُضْرَبَ، ويُضَعَّف عليه الغُرْم، فعلم يوسُفُ أَنَّ إِخوته لثقتهم ببراءة سَاحَتِهِمْ سَيَدْعُونَ في السَّرقة إِلى حكمهم، فتحيَّل لذلك، واستسهل الأَمرَ على ما فيه مِنْ رَمْي أبرياء وإِدخالِ الهَمِّ على يَعْقُوب وعَلَيْهِم؛ لِمَا علم في ذلك من الصَّلاح في الآجِلِ، وبوَحْيِ لا محالة، وإِرادةٍ مِنَ اللَّه محنَتَهُمْ بذلك، و‏{‏السقاية‏}‏‏:‏ الإِناء الذي به يَشْرَبُ المَلِكُ؛ وبه كان يَكِيلُ الطعام للنَّاس؛ هكذا نصَّ جمهور المفسِّرين ابنُ عباس وغيره، وروي أنه كان مِنْ فضَّة، وهذا قولُ الجمهور، وكان هذا الجعل بغَيْرِ عِلْم من «يَامين»؛ قاله السُّدِّيُّ وهو الظاهر، «فلما فَصَلَتِ العير» بأوقارها، وخرجَتْ من مصر فيما رُوِيَ أمر بهم فَحُبِسُوا، وأذن مؤذن أيتها العير إِنكم لسارقُونَ، ومخاطبةُ العِير مجازٌ، والمراد أربابها‏.‏

* ت *‏:‏ قال الهَرَوِيُّ‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَيَّتُهَا العير‏}‏‏:‏ «العير»‏:‏ الإِبلُ والحمير التي يحمل عليها الأحمال، وأراد أصحاب العير؛ وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يا خَيْلَ اللَّهِ، اركبي» أراد‏:‏ يا أَصْحَابَ خَيْلِ اللَّهِ اركبي، وأنَّث «أَيًّا»؛ لأَنه للعيرِ، وهي جماعة، انتهى‏.‏ فلما سمع إِخْوَةُ يوسُفَ هذه المقالة، أقبَلوا عليهم، وساءهم أَنْ يُرْمَوْا بهذه المَثْلَبَة، وقالوا‏:‏ ماذا تَفْقِدُونَ، ليقع التفْتِيشُ، فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا بالإِنكار من أوَّل، بل سألوا إِكمال الدعوَى؛ عسى أنْ يكون فيها ما تبطل به، فلا يَحْتَاج إِلى خصامٍ، قالوا‏:‏ نفقدُ صُوَاعَ المَلِكِ، وهو المِكْيَالُ، وهو السِّقَايَةُ، قال أبو عُبَيْدة‏:‏ يؤنَّث الصُّوَاع؛ مِنْ حيْثُ سمي سِقَايَةً، ويذكَّر من حيث هو صَاعٌ‏.‏

* ت *‏:‏ ولفظ أبي عُبَيْدة الهَرَوِيُّ قال الأَخفش‏:‏ الصَّاع‏:‏ يذكَّر ويؤنَّث، قال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ استخرجها مِن وِعَاءِ أَخِيهِ‏}‏ فأنَّثَ، وقَالَ‏:‏ ‏{‏لِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ‏}‏ فذكَّرَ لأنه عنى به الصُّوَاع‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لمن دَلَّ على سارقه، وجَبَرَ الصَّواع، وهذا جُعْل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ‏}‏‏:‏ حَمَّالَةٌ، قال مجاهد‏:‏ «الزَّعيم»‏:‏ هو المُؤَذِّن الذي قال أيَّتُهَا العِير و«الزعيم»‏:‏ الضامنُ في كلام العرب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 76‏]‏

‏{‏قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ‏(‏73‏)‏ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ ‏(‏74‏)‏ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‏(‏75‏)‏ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ‏(‏76‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ تالله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض‏}‏‏:‏ روي أن إِخوة يوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضَاعة المَوْجُودة في الرِّحَال، وتحرَّجوا مِنْ أخْذ الطعام بلا ثَمَنٍ؛ فلذلك قالوا‏:‏ ‏{‏لَقَدْ عَلِمْتُم‏}‏؛ أي‏:‏ لقد علمْتُمْ منا التحرِّي، وروي أنهم كانوا قَدِ اشتهروا بِمِصْرَ بصَلاَحٍ وتعفُّفٍ، وكانوا يجعلُونَ الأَكِمَّةَ في أفواه إِبلهم، لَئَلاَّ تنَالَ زروعَ الناسِ؛ فلذلك قالوا‏:‏ ‏{‏لَقَدْ عَلِمْتُم‏}‏، والتاء في «تَاللَّهِ» بدلٌ من الواو، ولا تدخُلُ التَّاء في القَسَمِ إِلاَّ في هذا الاسم‏.‏

قال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ قال الطبري‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ‏}‏ على حذف مضافٍ، تقديره‏:‏ جزاؤه استعبادُ واسترقاق مَنْ وَجَدَ في رَحْله‏.‏ انتهى‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏كذلك نَجْزِي الظالمين‏}‏‏:‏ أي‏:‏ هذه سُنَّتنا ودِينُنا في أهْل السَّرقة؛ أنْ يتملَّك السارق؛ كما تَمَلَّكَ هو الشيءَ المَسْرُوق‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ بدؤه أيضاً من أوعيتهم تمكينٌ للحِيلَةِ، وإِبعادٌ لظُهُور أنها حيلةٌ، وأضافَ اللَّه سبحانَهُ الكَيْدَ إِلى ضميره؛ لَمَّا خَرَجَ القَدْرُ الذي أباح به ليُوسُفَ أَخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في اعتقاد النَّاس كَيْدٌ، وقال السُّدِّيُّ والضَّحَّاك‏:‏ ‏{‏كِدْنَا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ صَنَعْنَا، و‏{‏دِينِ الملك‏}‏‏:‏ فسَّرَه ابن عباس بسُلْطَانِهِ، وفسَّره قتادة بالقضاءِ والحُكُم، وهذا متقاربٌ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك‏}‏، إذ كان المَلِكُ لا يَرَى استرقاق السَّارق، وإِنما كان دِينُهُ أنْ يأخذ المجنيُّ عليه من السارق مِثْلَي السَّرقَةِ‏.‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله‏}‏‏:‏ التزام الإِخوة لدين يعقوبَ بالاسترقاق، فَقَضَى عليهم به، انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ والاستثناء في هذه الآيةِ حكايةُ حال التقديرِ، إِلا أنْ يشاء اللَّه مَا وَقَعَ من هذه الحيلةِ، وروَى أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ بسنده، عن مالك، عن زيد بن أسلم؛ أنه قال في قَوْلِهِ عَزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاءُ‏}‏‏:‏ قال‏:‏ بالعلْمِ، انتهى من «كتاب العلم»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‏}‏، المعنى‏:‏ أنَّ البَشَرَ في العلْمِ درجاتٌ، فكلُّ عالمٍ فلا بُدَّ مِنْ أعْلَمَ منه، فَإِما من البَشَرِ، وإِما اللَّه عزَّ وجلَّ، فهذَا تأويلُ الحَسَن وقتادة وابن عباس وروي أيضاً عن ابن عبَّاس‏:‏ إِنما العليمُ اللَّهُ، وهو فوقَ كل ذي علم‏.‏

قال ابن عطاء في «التنوير»‏:‏ اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتاب العزيز، أو في السُّنَّة، فإِنما المراد به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشية، وتكتنفه المَخَافة‏.‏ انتهى‏.‏

قال الشيخ العارفُ أبو القاسم عبْدُ الرحمن بْنُ يوسُفَ اللَّجَائيُّ رحمه اللَّه‏:‏ إِذا كَمُلَتْ للعبدِ ثلاَثُ خِصَالٍ، وصَدَقَ فيها، تفجَّرَ العْلْمُ مِنْ قَلْبِهِ على لسانه، وهي الزُّهْد، والإِخلاص، والتقوى، قال‏:‏ ولا مَطْمَعَ في هذَا العلْمِ المذكور إِلا بَعْدَ معالجة القَلْبِ مِنْ علله التي تشينه، كالكِبْر، والحَسَد، والغَضَبِ، والرياء، والسُّمْعة، والمَحْمَدَة والجاه، والشَّرَف، وعُلُوِّ المنزلة، والطمَعِ، والحِرْصِ، والقَسْوة، والمُدَاهَنة، والحِقْد، والعَدَاوة، وكلِّ ما عَدَدْنَاهُ من العلل، وما لم نَعُدَّهُ راجعٌ إِلى أصل واحدٍ، وهو حبُّ الدنيا، لأنَّ حبها عنه يتفرَّعُ كلُّ شر، وعنه يتشعَّب كلُّ قبيح، فإِذا زالَتْ هذه العِلَلُ ظهر الصِّدْق، والإِخلاص، والتواضُعُ، والحِلْم، والوَرَعِ، والقَنَاعة، والزُّهْد، والصَّبْر، والرِّضا، والأُنْسُ، والمَحَبَّة، والشَّوْق، والتوكُّل، والخَشْية، والحُزْن، وقِصَر الأَمَلِ، وَمِزَاجُ النية بالعمل، فينبُعُ العِلْمُ، وينتفي الجَهْل، ويضيءُ القَلْب بنور إلاهيٍّ، ويتلألأ الإِيمان، وتوضح المعرفةُ، ويتَّسِعُ اليقينُ، ويتقوَّى الإِلهام، وتبدو الفراسَاتُ، ويصفى السرُّ، وتتجلَّى الأسرار، وتوجد الفوائدُ‏.‏

قال رحمه اللَّه‏:‏ وليس بَيْنَ العبدِ والترقِّي مِنْ سُفْلٍ إِلى عُلْوٍ إِلاَّ حُبُّ الدنيا؛ فإِن الترقِّي يتعذَّر مِنْ أجْل حبِّها؛ لأنها جاذبة إِلى العالَمِ الظلمانيِّ، وطباعُ النفوس لذلك مائلةٌ، فإِنْ أردتَّ أنْ تقتفي أثَرَ الذاهِبينَ إِلى اللَّه تعالى، فاستخف بدنياك، وانظرها بعَيْن الزَّوال، وأَنْزِلْ نَفْسَكَ عندَ أخْذِ القُوتِ منها منزلَةَ المُضْطَرِّ إِلى الميتة، والسَّلام‏.‏ انتهى‏.‏

وروي أن المفتِّش كان إِذا فَرَغَ من رَحْلِ رَجُلٍ، فلم يجدْ فيه شيئاً، استغفر اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره؛ أنَّ المستغفِرَ هو يُوسُفُ حتى انْتَهَى إِلى رَحْلِ بِنْيَامِينَ، فقال‏:‏ ما أظَنُّ هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئاً، فقال له إِخوته‏:‏ واللَّهِ، لاَ تَبْرَحْ حَتَّى تُفَتِّشَهُ، فهو أطْيَبُ لنفسك ونفوسِنَا، فَفَتَّشَ حينئِذٍ، فأخْرَجَ السِّقاية، وروي أنَّ أُخوة يوسُفَ لما رأَوْا ذلك، عَنَّفُوا بِنْيَامِينَ، وقالوا له‏:‏ كَيْفَ سَرَقْتَ هذه السِّقَايَةَ‏؟‏ فقال لهم‏:‏ واللَّهِ، ما فَعَلْتُ، فَقَالُوا له‏:‏ فَمَنْ وَضَعَهَا في رَحْلِكَ‏؟‏ قالَ‏:‏ الذي وَضَعَ البِضَاعَةَ في رِحَالِكُمْ، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏استخرجها‏}‏‏:‏ عائدٌ على السِّقاية، ويحتمل على السَّرقة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 79‏]‏

‏{‏قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ‏(‏77‏)‏ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏78‏)‏ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ‏(‏79‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالُواْ إِن يَسْرِقْ‏}‏‏:‏ أي قالوا إِخوةُ يوسُفَ‏:‏ إِن كان هذا قَدْ سَرَقَ، فغير بِدْعٍ من ابني رَاحِيلَ؛ لأَن أخاه يوسُفَ قد كان سَرَقَ، فهذا من الإِخوة إِنحاءٌ على ابني رَاحِيلَ يُوسُفَ وَيَامِينَ، وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إِنما كَانَتْ بحسب الظاهِرِ، ومُوجِبِ الحُكْم في النازلتين، فلم يَعْنُوا في غِيبَةٍ ليُوسُفَ، وإِنما قصدوا الإِخبار بأمر جَرَى؛ ليزولَ بعضُ المَعرَّة عنهم، ويختصَّ بها هذان الشقيقَان، وأما ما رُوِيَ في سَرِقَةِ يوسُفَ، فالجمهورُ عَلَى أنَّ عمَّته كانَتْ رَبَّتْهُ، فلما شَبَّ، أَراد يعقوبُ أخْذَهُ منها، فَوَلِعَتْ به، وأشفقَتْ من فِرَاقِهِ، فأخَذَتْ مِنْطَقَةَ إِسحاق، وكانت متوارثةً عندهم، فنطَّقته بها مِنْ تَحْتِ ثيابه، ثم صاحَتْ، وقالتْ‏:‏ إِني قَد فَقَدتُّ المِنْطَقَةَ، ويوسُفُ قد خَرَجَ بها، ففتَّشَتْ، فَوُجِدَتْ عنده، فاسترقته، حَسَبَ ما كان في شَرْعِهم، وبقي عنْدَها حَتَّى ماتَتْ، فصار عِنْدَ أبيه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ‏}‏‏:‏ يعني‏:‏ أسرَّ الحزَّة التي حَدَثَتْ في نفسه من قول الإِخوة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الظاهر منه أنه قالها إِفصاحاً؛ كأنه أسَرَّ لهم كراهيةَ مقالتهم، ثم نجَهَهُمْ بقوله‏:‏ ‏{‏أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لسوءِ أفعالكم، واللَّه أعلم؛ أنْ كان ما وصفتموه حقًّا، وفي اللفظ إِشارةٌ إِلى تكذيبهم؛ وممَّا يُقَوِّي هذا عِنْدِي أنهم تركُوا الشَّفاعة بأنفسهم، وعدَلُوا إِلى الشفاعة بأبيهم عليه السلام، وقالتْ فرقة‏:‏ لم يقُلْ هذا الكلامَ إِلا في نَفْسه، وإِنه تفسيرٌ للذي أسَرَّ في نفسه، فكأَنَّ المراد‏:‏ قال في نَفْسِهِ‏:‏ أنتم شرُّ مكاناً، وذكر الطبريُّ هنا قصصاً اختصاره أنَّه لما استخرجت السقايةُ مِنْ رَحْلِ يامين، قال إخوته‏:‏ يا بَنِي رَاحِيلَ، لاَ يَزَالُ البلاءُ يَنَالُنَا مِنْ جِهَتِكُمْ، فقال يَامِينُ‏:‏ بل بَنُو رَاحِيلَ ينالُهُمُ البلاءُ منكم، ذهبتم بأخِي، فَأَهْلَكْتُمُوهُ، ووضع هذا الصُّواعَ في رَحْلِي الذي وَضَعَ الدراهمَ في رحالِكُمْ، فقالوا‏:‏ لا تَذْكُر الدراهم، لَئَلاَّ نؤْخَذَ بها، ثم دَخَلُوا على يوسُفَ، فأخذ الصُّواع، فَنَقَرَهُ، فَطَنَّ، فقال‏:‏ إِنه يخبر أنَّكم ذهبتم بأخٍ لكم، فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ يامين، وقال‏:‏ أيها العزيزُ، سَلْ صُوَاعَكَ هذا يُخْبِرُكَ بالحقِّ، في قصص يَطولُ آثرنا اختصاره‏.‏

وروي أن رُوبِيلَ غَضِبَ، وقَفَّ شَعْرَه، حتى خرج من ثيابِهِ، فأمر يوسُفُ بنيًّا له، فمسَّه فسكَنَ غضبه، فقال رُوبيلُ‏:‏ لقد مسَّني أحدٌ من ولد يعقُوبَ، ثم إِنهم تشاوَرُوا في محارَبَةِ يُوسُفَ، وكانوا أَهْلَ قُوَّةٍ، لا يُدَانَوْنَ في ذلك، فلما أحَسَّ يوسُفُ بذلك، قام إِلى رُوبِيلَ، فلبَّبه وصَرَعَهُ، فرأَوا مِنْ قُوَّته ما استعظموه، وقالوا‏:‏ ‏{‏ياأيها العزيز‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وخاطبوه باسم العزيز، إِذ كان في تِلْكَ الخُطَّةَ بعَزْلِ الأول أو موته، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولهم‏:‏ ‏{‏فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ‏}‏ يحتمل أنْ يكونَ ذلك منْهم مجازاً، ويحتمل أنْ يكون حقيقةً علَى طريقِ الحَمَالَةِ؛ حتى يَصِلَ يَامِينُ إِلى أَبيه، ويعرف يعقوبُ جليَّة الأمر، فمَنَع يوسُفُ من ذلك، وقال‏:‏ ‏{‏مَعَاذَ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 84‏]‏

‏{‏فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏80‏)‏ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ‏(‏81‏)‏ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏(‏82‏)‏ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ‏(‏83‏)‏ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ‏(‏84‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا استيئسوا مِنْهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية يقال‏:‏ يَئِسَ واستيأس بمعنًى واحدٍ، قال البخاريُّ‏:‏ ‏{‏خَلَصُواْ نَجِيًّا‏}‏‏:‏ اعتزلوا، والجَمْع أَنْجِيَةٌ، وللاثنين والجمع نَجِيٌّ وأَنْجِيَة انتهى‏.‏

وقال الهَرَوِيُّ‏:‏ ‏{‏خَلَصُواْ نَجِيًّا‏}‏‏:‏ أي تَمَيَّزوا عن الناس متناجين انتهى‏.‏

و ‏{‏كَبِيرُهُمْ‏}‏‏:‏ قال مجاهدٌ هو شَمْعُونُ، كان كبيرهم رَأْياً وعِلْماً، وإِن كان رُوبِيلُ أَسنَّهم، وقال قتادة‏:‏ هو روبيلُ، لأَنه أسنُّهم، وهذا أظهرُ ورجَّحه الطبريُّ، وذكرهم أخوهم ميثاقَ أبيهم‏:‏ ‏{‏لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 66‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض‏}‏‏:‏ قال‏:‏ * ص *‏:‏ «بَرَحَ» التامَّةُ بمعنى ذَهَبَ وظَهَرَ؛ ومنه‏:‏ برح الخَفَاء، أي‏:‏ ظهر، والمتوجَّه هنا‏:‏ معنى «ذهب»، لكنَّه لا ينصب الظرف المكانيَّ المختصَّ إِلا بواسطة، فاحتيج إِلى تضمينه معنى «فارق»، والأرض مفعولٌ به، ولا يجوزُ أنْ تكون «أبرح»‏:‏ ناقصةٌ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ارجعوا إلى أَبِيكُمْ‏}‏‏:‏ الأمر بالرجُوعِ قيلَ‏:‏ هُوَ مِنْ قولِ كبيرهم، وقيل‏:‏ من قَوْلِ يوسُفَ، والأول أظهرُ، وذكر الطبرِيُّ أَنَّ يوسُفَ قال لهم‏:‏ إِذا أتيتم أباكم فاقرؤوا علَيْه السَّلام، وقولوا له‏:‏ إِنَّ مَلِكَ مِصْرَ يدْعُو لك أَلاَّ تمُوتَ حَتَّى تَرَى ولدك يوسُفَ، ليعلم أَنَّ في أرض مِصْرَ صِدِّيقين مثله، وقرأ الجمهور‏:‏ «سَرَقَ»، وروي عن الكسائي وغيره‏:‏ «سُرِقَ»- ببنائه للمفعول-‏.‏

‏{‏وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ باعتبار الظَّاهر، والعِلْمُ في الغَيْبِ إِلى اللَّه، ليْسَ ذلك في حِفْظنا، هذا تأويل ابْن إِسحاق، ثم استشهدوا بالقرية التي كانوا فيهَا، وهي مِصْر؛ قاله ابن عباس، والمراد أهْلُها، قال البُخَارِيُّ‏:‏ ‏{‏سَوَّلَتْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ زَيَّنَتْ، وقولُ يعقُوبَ‏:‏ ‏{‏عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا‏}‏ يعنى بيوسُفَ ويَامِينَ ورُوبِيلَ الذي لَمْ يَبْرَحِ الأَرضَ، ورجاؤه هذا مِنْ جهاتٍ، منها‏:‏ حُسْن ظَنِّه باللَّه سبحانه في كلِّ حالٍ، ومنها‏:‏ رؤيا يوسُفَ المتقدِّمة؛ فإِنه كان ينتظرُها، ومنها‏:‏ ما أخبروهُ عَنْ مَلِكِ مِصْر؛ أنه يدعو له برؤْية ابنه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وتولى عَنْهُمْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ زال بوجْهه عنْهم مُلْتَجِئاً إِلى اللَّه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ ياأسفى عَلَى يُوسُفَ‏}‏‏.‏

قال الحسن‏:‏ خُصَّت هذه الأمَّة بالاستِرجاعِ؛ أَلاَ تَرَى إِلى قول يعقُوبَ‏:‏ ‏{‏ياأسفى‏}‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ والمراد يا أسفَي، لكنْ هذه لُغَةُ مَنْ يردُّ ياء الإِضافة ألفاً؛ نحو‏:‏ يا غُلاَما، ويَا أَبَتَا، ولا يبعد أَنْ يجتمع الاسترجاع، ويَا أَسْفَى لهذه الأُمَّة، وليعقوب عليه السلام، وروي أن يعقوبَ عليه السلام حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثَكْلَى، وأُعطِيَ أَجْرَ مَائَةِ شهيدٍ، وما ساءَ ظَنَّهُ باللَّه قطُّ، رواه الحَسَنُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ‏{‏فَهُوَ كَظِيمٌ‏}‏ بمعنى‏:‏ كاظِمٍ، كما قال‏:‏ ‏{‏والكاظمين الغيظ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 134‏]‏ ووصف يعقوب بذلك، لأنه لم يَشْكُ إِلى أحَدٍ، وإِنما كان يكْمد في نَفْسه، ويُمْسِك همَّه في صَدْره، فكان يكظمه، أي‏:‏ يردُّه إِلى قلبه‏.‏

* ت * وهذا ينظر إِلى قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏"‏ القَلْبُ يَحْزَنُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي الرَّبَّ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديث، ذكر هذا صلى الله عليه وسلم عنْدَ مَوْتِ ولده إِبراهيم، قال ابن المبارك في «رقائقه»‏:‏ أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن فَهُوَ كَظِيمٌ‏}‏، قَالَ‏:‏ كَظم على الحُزْنِ، فلم يقُلْ إِلا خَيْراً انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال في ابنه إِبراهيم‏:‏ ‏"‏ إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالَقْلَبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ‏"‏، وقال أيضاً في الصحيح صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ ‏"‏ انتهى‏.‏ خرَّجه البخاريُّ وغيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 88‏]‏

‏{‏قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ‏(‏85‏)‏ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏86‏)‏ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ‏(‏87‏)‏ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ‏(‏88‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ تالله تَفْتَؤُاْ‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ تالله لا تفتأ فتحذف «لا» في هذا الموضع من القَسمِ؛ لدلالة الكلام عليها؛ فمن ذلك قول امرئ القيس‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً *** وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي

ومنه قول الآخر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

تَاللَّهِ يبقى عَلَى الأَيَّامِ ذُو جِيَدٍ ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

أراد‏:‏ لا أبْرَحُ، ولاَ يَبْقَى، و«فَتِئ»‏:‏ بمنزلة زَالَ وبَرَحَ في المعنَى والعملِ؛ تقول‏:‏ واللَّهِ، لا فَتِئْتَ قَاعِداً؛ كما تقول‏:‏ لاَ زِلْتُ وَلاَ بَرَحْتُ، وعبارة الداوودي‏:‏ وعن ابن عباس‏:‏ تَفْتَأُ؛ أي‏:‏ لا تزالُ تَذْكُرُ يوسُفَ، ‏{‏حتى تَكُونَ حَرَضاً‏}‏‏.‏ انتهى، والحَرَضُ‏:‏ الذي قد نهاه الهَرَمُ أو الحُبُّ أو الحُزْنُ إِلى حالِ فَسادِ الأَعضاء وَالبَدَنِ والحسِّ، يقال‏:‏ رجلٌ حَارِضٌ، أي‏:‏ ذو همٍّ وحزنٍ؛ ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

إِنِّي امرؤ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي *** حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ

والحَرِضُ بالجملة الذي فَسَدَ ودنا موته، قال مجاهد‏:‏ الحَرَضُ‏:‏ ما دون الموت؛ وفي حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمْرَضُ حَتَّى يُحْرِضَهُ المَرَضُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ ‏"‏ انتهى من «رقائق ابن المبارك»‏.‏

ثم أجابهم يعقوبُ عليه السلام بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله‏}‏‏:‏ أي‏:‏ إِني لست ممَّن يَجْزَعُ ويَضْجَرُ، وإِنما أَشكو إِلى اللَّه، والبَثُّ‏:‏ ما في صَدْرِ الإِنسان مما هو مُعْتَزِمٌ أَنْ يبثه وينشره‏.‏

وقال أبو عُبَيْدة وغيره‏:‏ البَثُّ‏:‏ أَشدُّ الحزن قال الداووديُّ عن ابن جُبَيْر، قال‏:‏ مَنْ بَثَّ، فلم يصبِرْ، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَاْيْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «الرَّوْحُ»‏:‏ الرحمة، ثم جعل اليأْسَ مِنْ رحمة اللَّه وتفريجه مِنْ صفة الكافرين؛ إِذ فيه إِما التكذيبُ بالرُّبوبية، وإِما الجهلُ بصفاتِ اللَّه تعالى، وال ‏{‏بضاعة‏}‏‏:‏ القِطْعة من المال يُقْصَدُ بها شراءُ شَيْءٍ، ولزمها عُرْفُ الفقْهِ فيما لا حَظَّ لحاملها من الربْحِ، وال ‏{‏مُّزْجَاةٍ‏}‏‏:‏ معناها‏:‏ المدفوعَةُ المتحيَّل لها، وبالجملة؛ فمَنْ يسوق شيئاً، ويتلطَّف في تسييره، فقد أزجاه، فإِذا كانَتِ الدراهمُ مدفوعةً نازلةَ القَدْر، تحتاج أنْ يُعْتَذَرَ معها، ويُشْفَعَ لها، فهي مزجاةٌ، فقيل‏:‏ كان ذلك لأنها كانَتْ زيوفاً، قاله ابن عباس‏.‏

وقيل‏:‏ كانَتْ بضاعتهم عروضاً، وقولهم‏:‏ ‏{‏وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا‏}‏‏:‏ معناه ما بَيْنَ الدراهم الجيادَ وبَيْنَ هذه المُزْجَاة، قاله السُّدِّيُّ وغيره وقال الداوودي عن ابن جريجٍ‏:‏ ‏{‏وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا‏}‏‏:‏ قال‏:‏ اردد علينا أخانا، انتهى، وهو حسن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 92‏]‏

‏{‏قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ‏(‏89‏)‏ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏90‏)‏ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ‏(‏91‏)‏ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏92‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون‏}‏، روي أنَّ يوسُف عليه السلام لما قال له إخوته‏:‏ ‏{‏مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 88‏]‏، واستعطفوه رَقَّ ورحمهم، قال ابنُ إِسحاق‏:‏ وارفض دمعه باكياً، فَشَرَعَ في كَشْفِ أمره إِليهم، فروي أنه حَسَرَ قناعه، وقال لَهُمْ‏:‏ ‏{‏هَلْ عَلِمْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، و‏{‏مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ التَّفْريق بينَهُما في الصِّغَر وما نالهما بسَبَبِكُم من المِحَن؛ ‏{‏إِذْ أَنتُمْ جاهلون‏}‏، نسبهم إِمَّا إِلى جَهْلِ المعصيةِ، وإِما إِلى جَهْلِ الشَبَابِ وقلَّةِ الحُنْكَة، فلمَّا خاطبهم هذه المخاطبة، تنبَّهوا، ووقَعَ لهم من الظَّنِّ القويِّ وقرائنِ الحال؛ أنه يوسُفُ فقالوا‏:‏ ‏{‏أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ‏}‏؛ مستفهمين، فأجابهم يوسف كاشفاً عن أمره، ‏{‏قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِي‏}‏ وباقي الآية بيِّن‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالُواْ تالله لَقَدْ ءَاثَرَكَ الله عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لخاطئين‏}‏‏:‏ هذا منهم استنزال ليوسُفَ، وإِقرار بالذنْبِ في ضِمْنه استغفار منه، و‏{‏ءَاثَرَكَ‏}‏‏:‏ لفظٌ يعمُّ جميعَ التفضيل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ‏}‏ عفوٌ جميلٌ، وقال عكرمة‏:‏ أوحى اللَّه إِلى يوسف بِعَفْوِكَ عَنْ إِخوتك، رَفَعْتُ لك ذكْرَك، و«التثريب»‏:‏ اللوْمُ والعقوبةُ وما جَرَى معهما من سوءِ مُعْتَقَدٍ ونحوه، وعبَّر بعضُ الناس عن التثْرِيب بالتعيير، ووقَفَ بعْضُ القَرَأَةِ ‏{‏عَلَيْكُم‏}‏، وابتدأ‏:‏ ‏{‏اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ‏}‏؛ ووقف أكثرهم‏:‏ ‏{‏اليوم‏}‏ وابتدأ‏:‏ ‏{‏يَغْفِرَ الله لَكُمْ‏}‏ على جهة الدعاء وهو تأويلُ ابن إِسحاق والطبريِّ، وهو الصحيحُ الراجح في المعنَى؛ لأن الوقْفَ الآخِرَ فيه حُكْم على مغفرة اللَّه، اللَّهُمَّ إِلا أَنْ يكون ذلك بوَحْيٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 96‏]‏

‏{‏اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏93‏)‏ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ‏(‏94‏)‏ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ‏(‏95‏)‏ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي‏}‏‏:‏ قال النَّقَّاش‏:‏ روي أن هذا القميصَ كَانَ مِنْ ثياب الجَنَّة، كساه اللَّه إِبراهيم، ثم توارَثَهُ بنوه‏.‏

قال * ع *‏:‏ هذا يحتاجُ إِلى سندٍ والظاهرُ أنه قميصُ يوسُفَ كسائر القُمُصِ، وقولُ يوسف‏:‏ ‏{‏يَأْتِ بَصِيرًا‏}‏ فيه دليلٌ على أنَّ هذا كلَّه بوحْيٍ وإِعلامٍ مِنَ اللَّه تعالى، وروي أنَّ يعقوب وجد ريحَ يوسُفَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ القَميصِ مسيرةُ ثمانيةِ أيامٍ؛ قاله ابن عباس، وقال‏:‏ هاجَتْ ريحٌ، فحملَتْ عَرْفَه، وقول يعقوب‏:‏ ‏{‏إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ‏}‏‏:‏ مخاطبةٌ لحاضريه، فروي أنهم كانوا حَفَدَتَهُ، وقيل‏:‏ كانوا بَعْضَ بنيه، وقيل‏:‏ كانوا قرابتَهُ و‏{‏تُفَنِّدُونِ‏}‏ معناه‏:‏ تردُّون رأْيي، وتدْفَعُون في صَدْره، وهذا هو التفنيد لغة، قال مُنْذِرُ بن سَعِيدٍ‏:‏ يقال‏:‏ شَيْخٌ مُفَند، أيْ‏:‏ قد فسد رأيه والذي يشبه أنَّ تفنيدهم ليعقوبَ؛ إِنما كان لأَنهم كانوا يعتقدون أنَّ هواه قد غَلَبَهُ في جانِبِ يوسُفَ‏.‏

وقال * ‏[‏ص‏]‏ *‏:‏ معنى ‏{‏تُفَنِّدُونِ‏}‏‏:‏ تسفِّهون، انتهى، وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَفِي ضلالك القديم‏}‏‏:‏ يريدون‏:‏ لَفِي انتلافك في مَحَبَّة يوسف، وليس بالضَّلال الذي هو في العُرْف ضدُّ الرشادِ؛ لأن ذلك من الجَفَاءِ الذي لا يَسُوغُ لهم مواجَهَتِه به‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ فارتد بَصِيرًا‏}‏‏:‏ روي عن ابنَ عَبَّاسٍ؛ أن البشير كان يَهُوذَا؛ لأنه كان جَاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ و‏{‏بَصِيراً‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ مُبْصراً، وروي أنه قال للبشير‏:‏ على أيِّ دِينٍ تركْتَ يوسُفَ‏؟‏ قال‏:‏ على الإِسلام؛ قال‏:‏ الحَمْدِ للَّهِ؛ الآن كَمُلَتِ النعمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 100‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ‏(‏97‏)‏ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏98‏)‏ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ ‏(‏99‏)‏ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ‏(‏100‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ ياأبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ روي أنَّ يوسُفَ عليه السلام لما غَفَر لإِخوته، وتحقَّقوا أَنَّ أباهم يغفر لهم، قال بعضُهم لبعض‏:‏ ما يُغْنِي عنا هذا إِنْ لم يغفر اللَّه لَنَا، فطلبوا حينئذٍ من يعقُوبَ عليه السلام أنْ يطلب لهم المغفرَةَ مِنَ اللَّه تعالى، واعترفوا بالخَطَإِ، فقال لهم يعقوب‏:‏ ‏{‏سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي‏}‏‏.‏

* ‏[‏ت‏]‏ *‏:‏ وعن ابن عباس؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعليٍّ رضي اللَّه عنه‏:‏ ‏"‏ إِذَا كَانَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَإِنِ استطعت أَنْ تَقُومَ في ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنَّها سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ، وقد قال أخي يعقوبُ لبنيه‏:‏ ‏{‏سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي‏}‏، يقول‏:‏ حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ وذكر الحديث، رواه الترمذيُّ، وقال‏:‏ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث الوليد بن مُسْلم، ورواه الحاكم في «المستدْرك على الصحيحين»، وقال‏:‏ صحيحٌ على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلماً انتهى من «السلاح»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ءاوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ‏}‏ قال ابنُ إِسحاق، والحسن‏:‏ أراد بالأبوين‏:‏ أباه وأمَّه، وقيل‏:‏ أراد؛ أباه وخالته‏.‏

قال * ع *‏:‏ والأول أظهر؛ بحسب اللفْظِ، إِلا أَنْ يثبت بِسنَدٍ أنَّ أمه قد كانَتْ ماتَتْ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن شَاءَ الله‏}‏ هذا الاستثناءُ هو الذي نَدَبَ القرآن إِليه؛ أَن يقوله الإِنسانُ في جميعِ ما ينفذه في المستقبل، و‏{‏العرش‏}‏‏:‏ سريرُ المُلْك، و‏{‏خَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ سجودَ تَحِيَّةٍ، فقيل‏:‏ كان كالسُّجُود المعهودِ عندنا من وَضْعِ الوجْهِ بالأرض‏.‏

وقيل‏:‏ بل دون ذلك كالرُّكوعِ البالغ ونحوه ممَّا كان سيرةَ تحيَّاتهم للملوكِ في ذلك الزمَانِ، وأجمع المفسِّرون؛ أنه كان سجُودَ تحيَّة لا سُجُودَ عبادةٍ، وقال الحسنُ‏:‏ الضمير في «له» للَّه عزَّ وجلَّ، ورُدَّ هذا القولُ على الحَسَنِ‏.‏

وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رؤياي مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ قال يوسُفُ ليعقوبَ، هذا السجودُ الذي كانَ منْكُم هو ما آلَتْ إِليه رؤياي قديماً في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمْس والقمر، ‏{‏قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا‏}‏ ثم أخذ عليه السلام يعدِّد نعم اللَّه عَلَيْه، وقال‏:‏ وقد أخرجني من السجن، وترك ذكر إِخراجه من الجُبِّ؛ لأنَّ في ذكره تجْدِيدَ فعْلِ إِخوته وخِزْيِهِم، وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغوائِلِ، وتخبيثَ النفوسِ، ووجْه آخر أنه خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إِلى الرِّقِّ، ومن السِّجْنِ إِلى المُلْكِ، فالنعمةَ هنا أَوضَحُ، ‏{‏إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ‏}‏، أي‏:‏ من الأمور أنْ يفعله؛ ‏{‏إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم‏}‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولا وَجْه في ترك تعريفِ يُوسُفَ أباه بحاله مُنْذُ خَرَجَ من السِّجْنِ إِلى العِزِّ إِلا الوَحْيُ مِنَ اللَّه تعالَى؛ لَمَّا أَراد أَن يمتحن به يَعْقُوب وبنيه، وأراد من صورة جمعهم، لا إله إِلا هو‏.‏

وقال النَّقَّاش‏:‏ كان ذلك الوحْيُ في الجُبِّ، وهو قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 15‏]‏، وهذا محتمل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 104‏]‏

‏{‏رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ‏(‏101‏)‏ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ‏(‏102‏)‏ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏103‏)‏ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏104‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ذكر كثيرٌ من المفسِّرين أنَّ يوسُفَ عليه السلام لما عَدَّد في هذه الآية نِعَمَ اللَّه عنده، تشوَّق إِلى لقاء ربِّه ولقاءِ الجِلَّة وصالحي سَلَفِهِ وغيرهم مِنَ المؤمنين، ورأَى أَن الدنيا قليلةٌ فتمنَّى المَوْت في قوله‏:‏ ‏{‏تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بالصالحين‏}‏‏.‏

وقال ابن عبَّاس‏:‏ لم يتمنَّ المَوْتَ نبيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ، وذكر المهدويُّ تأويلاً آخر، وهو الأقْوَى عندي‏:‏ أنه ليس في الآية تمنِّي موتٍ، وإِنما تمنى عليه السلام الموافَاةَ على الإِسلام لا المَوْتَ، وكذا قال القرطبيُّ في «التذكرة»؛ أَنَّ معنى الآية‏:‏ إِذا جاء أَجَلِي، توفَّني مسلماً، قال‏:‏ وهذا القول هو المختارُ عنْدَ أهل التأويل، واللَّه أعلم، انتهى، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ‏"‏؛ إِنَّمَا يريد ضَرَر الدنيا؛ كالفَقْر، والمَرَضِ ونحو ذلك، ويبقَى تمنِّي الموت؛ مخافةَ فسادِ الدِّين مباحَاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أدعيته‏:‏ ‏"‏ وَإِذَا أَرَدَتَّ بِالنَّاسِ فِتْنَةً، فاقبضني إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَنتَ وَلِيِّي‏}‏‏:‏ أي القائِمُ بأمري، الكفيلُ بنُصْرتي ورَحْمتي‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ذلك مِنْ أَنبَاءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ‏}‏‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏‏:‏ إِشارة إِلى ما تقدَّم من قصَّة يوسُفَ، وهذه الآية تعريضٌ لقريشٌ، وتنبيهٌ على آية صدْقِ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وفي ضمن ذلك الطعْنُ على مكذِّبيه، والضمير في ‏{‏لَدَيْهِمْ‏}‏‏:‏ عائدٌ على إِخوة يوسُفَ، و‏{‏أَجْمَعُواْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ عزموا، و«الأمر»، هنا‏:‏ هو إِلقاء يوسُفَ في الجُبِّ، وحكى الطبري عن أبي عمران الجَوْنِيِّ؛ أَنه قال‏:‏ واللَّه ما قَصَّ اللَّه نبأهم؛ ليُعَيِّرَهُمْ؛ إِنهم الأَنبياءُ مِنْ أَهْلَ الجَنَّة، ولكنَّ اللَّه قَصَّ علينا نبأهم؛ لئلاَّ يَقْنَطَ عَبْدُهُ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية توبيخٌ للكفَرة، وإِقامةٌ للحُجَّةِ عليهم، ثم ابتدأ الإِخبَارَ عن كتابه العزيز؛ أنه ذكْرٌ وموعظةٌ لجميعِ العالَمِ، نفعنا اللَّه به، ووفَّر حظنا منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏105- 107‏]‏

‏{‏وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ‏(‏105‏)‏ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ‏(‏106‏)‏ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏107‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السموات والأرض‏}‏‏:‏ يعني بال ‏{‏آيَةٍ‏}‏؛ هنا‏:‏ المخلوقاتُ المنصوبةُ للاعتبار الدالَّة على توحيد خالقها سبحانه، وفي مُصْحَفِ عبد اللَّه‏:‏ «يَمْشُونَ عَلَيْهَا»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ‏}‏‏:‏ قال ابنُ عبَّاس‏:‏ هي في أهْل الكتاب، وقال مجاهد وغيره‏:‏ هي في العَرَب، وقيل‏:‏ نزلَتْ بسبب قَوْل قُرَيْشٍ في الطَّوَافَ، والتلبيةِ‏:‏ «لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلاَّ شَرِيكاً هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»، وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا سَمِعَ أَحدَهُمْ يَقُولُ‏:‏ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، يَقُولُ له‏:‏ قطْ قطْ، أي‏:‏ قفْ هنا، ولا تَزِدْ‏:‏ إِلا شريكاً هو لَكَ، وال ‏{‏غَاشِيَةٌ‏}‏‏:‏ ما يغشَى ويغطِّي ويغمُّ، و‏{‏بَغْتَةً‏}‏‏:‏ أيْ‏:‏ فجأة، وهذه الآية من قوله‏:‏ ‏{‏وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ‏}‏، وإِن كانَتْ في الكفَّار، فإِن العصاة يأخُذُونَ من ألفاظها بحظٍّ ويكون الإِيمانُ حقيقةً، والشِّرْكُ لغويًّا، كالرياء، فقد قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ الرِّيَاءُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ ‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏108- 111‏]‏

‏{‏قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏108‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏109‏)‏ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏110‏)‏ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ هذه سَبِيلِي أَدْعُواْ إِلَى الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ إِشارةٌ إِلى دَعْوة الإِسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زَيْد‏:‏ المعنى هذا أمري وسُنَّتي ومِنْهاجي وال ‏{‏بَصِيرَةٍ‏}‏‏:‏ اسم لمعتقد الإِنسان في الأمْر من الحقِّ واليقين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَنَاْ وَمَنِ اتبعني‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ يكون «أَنا» تأكيداً للضمير المستكنِّ في «أَدْعُوا» و«مَنْ» معطوفٌ عليه؛ وذلك بأنْ تكون الأمَّة كلُّها أُمَرَتْ بالمعروف داعية إِلى اللَّه الكَفَرَةَ والعُصَاة‏.‏

قال * ص *‏:‏ ويجوزُ أنْ يكون «أَنا» مبتدأ، و«على بصيرة» خَبرٌ مقدَّم، و«مَنْ» معطوفٌ عليه انتهى، ‏{‏وسبحان الله‏}‏ تنزيهٌ للَّه، أي‏:‏ وقل‏:‏ سبحانَ اللَّهِ متبرِّياً من الشِّرْك‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تتضمَّن الردَّ على من استغرب إِرسَالَ الرُّسُل من البَشَرِ، و‏{‏القرى‏}‏‏:‏ المُدُن‏.‏ قال الحسن‏:‏ لم يَبْعَثِ اللَّه رسولاً قطُّ من أهْل البادية‏.‏

قال * ع *‏:‏ والتَّبَدِّي مَكْرُوه إِلا في الفتْنَة، وحين يُفَرُّ بالدين، ولا يعترضُ هذا بِبُدُوِّ يعقوب؛ لأن ذلك البُدُوَّ لم يكُنْ في أهْل عمودٍ، بل هو بتَقَرٍّ، وفي منازلَ ورَبوع؛ وأيضاً إِنما جعله بُدُواً بالإِضافة إِلى مصْر؛ كما هي بناتُ الحَوَاضِر بَدْوٌ بالإِضافة إِلى الحواضر، ثم أحال سبحانه على الاعتبار في الأمم السالفة، ثم حَضَّ سبحانه على الآخرة، والاستعداد لها بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَدَارُ الأخرة خَيْرٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏وَلَدَارُ الأخرة‏}‏‏:‏ خرَّجه الكوفيُّون على أنَّه من إِضافة الموصُوفِ لصفته، وأصله‏:‏ «ولَلدَّارُ الآخِرَةُ»، والبصريُّون على أنه من حَذْف الموصوف، وإِقامة صفته مُقَامَهُ، وأصله‏:‏ «ولَدَارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أو النَّشْأَةِ الآخِرَةِ»‏.‏ انتهى‏.‏

ويتضمَّن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏؛ أن الرسلَ الذين بعثهم اللَّهُ مِنْ أهْل القُرَى، دَعَوْا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى نزلَتْ بهم المَثُلاَتُ، فصاروا في حَيِّز مَنْ يُعْتَبَرُ بعاقبته، فلهذا المضمَّن حَسُنَ أَنْ تدخل «حتى» في قوله‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا استيئس الرسل‏}‏‏.‏

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر‏:‏ «وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا»- بتشديد الذال-، وقرأ الباقون‏:‏ «كُذِبُوا»- بضم الكاف، وكسْر الذال المخفَّفة، فأما الأولى، فمعناها أنَّ الرسل ظَنُّوا أن أممهم قَدْ كَذَّبتهم، و«الظَّنُّ»؛ هنا‏:‏ يحتملُ أنْ يكون بمعنى اليَقِينِ، ويحتمل أنْ يكون الظَّنُّ على بابه، ومعنى القراءة الثانية؛ على المشهور من قول ابن عباس وابنِ جُبَيْر‏:‏ أي‏:‏ حتَّى إِذا استيأس الرسُلُ من إِيمان قومِهِم، وظَنَّ المُرْسَلُ إِليهم أَنَّ الرسُلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما ادعوه من النبوَّة، أو فيما توعَّدوهم به من العذاب، لما طال الإِمهال، واتصلت العافيةُ، جاءهم نَصْرنا، وأسند الطبريُّ أنَّ مسلم بن يَسَارٍ، قال لسعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ‏:‏ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، آيةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مبلغٍ‏:‏ «حتى إِذَا استيئس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ»؛ فهذا هو الموت أَنْ تظنَّ الرسُلُ أنهم قد كُذِبوا- مخفَّفة-، فقال له ابن جُبَيْر‏:‏ يا أبا عبد الرحمن، إِنما يَئِسَ الرسُلُ مِنْ قومِهِم؛ أنْ يجيبوهم، وظَنَ قومهم أن الرسل قد كَذَبَتْهُمْ، فقام مُسْلِم إِلى سعيدٍ، فاعتنقه، وقال‏:‏ فَرَّجْتَ عني، فَرَّجَ اللَّهُ عنك‏.‏

قال * ع *‏:‏ فرضِيَ اللَّهَ عَنْهم، كيف كَانَ خُلُقُهُمْ في العِلْمِ، وقال بهذا التأويل جماعةٌ، وهو الصَّواب، وأما تأويلُ مَنْ قال‏:‏ إِن المعنى‏:‏ وظَنُّوا أنهم قد كَذَبَهُمْ مَنْ أخبرهم عن اللَّه، فغير صحيحٍ، ولا يجوزُ هذا على الرسُلِ، وأين العَصْمة والعِلْم‏.‏

* ت *‏:‏ قال عِيَاضٌ‏:‏ فإِن قيل‏:‏ فما معنَى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا استيئس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ‏}‏؛ على قراءة التخفيف‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ المعنى في ذلك ما قَالَتْهُ عائشةُ رضي اللَّه عنها مَعَاذَ اللَّهِ، أنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ، لَمَّا استيأسُوا، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ وعدهم النصْرَ مِنْ أتباعهم، كَذَبُوهم؛ وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، وقيل‏:‏ الضمير في «ظَنُّوا» عائدٌ على الأتباع والأممِ، لا على الأنبياء والرسل؛ وهو قول ابن عباس والنَّخَعِيِّ وابنِ جُبَيْر وجماعةٍ، وبهذا المعنى قرأ مجاهدٌ‏:‏ «كَذَبُوا» بالفَتْح، فلا تَشْغَلْ بالك مِنْ شَاذِّ التفسير بسواه ممَّا لا يليقُ بمَنْصِب العلماء، فكَيْفَ بالأنبياء، انتهى من «الشفا»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏جَاءَهُمْ نَصْرُنَا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بتعذيب أممهم الكافرة‏.‏

‏{‏فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ من أتباع الرسلِ‏.‏

‏{‏وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين‏}‏‏:‏ أي‏:‏ الكافرين، و«البَأْسُ»‏:‏ العذاب‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب‏}‏‏:‏ أي‏:‏ في قصص يوسُفَ وإِخوته وسائِرِ الرسلِ الذين ذُكِرُوا على الجملة، ولَمَّا كان ذلك كلُّه في القرآن، قال عنه‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى‏}‏، و‏{‏الذي بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ التوراةُ والإِنجيلُ، وباقي الآية بيِّن واضحٌ‏.‏

* ت *‏:‏ كنت في وَقْتٍ أَنْظُرُ في «السيرة» لابْنِ هِشامٍ، وأتأمَّل في خُطْبة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي أوَّلُ خُطْبة خَطَبَها بالمَدِينَةِ، فإِذا هاتف يقولُ‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى‏}‏، وقد كانَ حَصَلَ في القَلْبِ عِبْرَةٌ في أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم وأفاضِل أصحابه، رضي اللَّه عنهم أجمعين، وسلك بنا مَنَاهِجَهُمُ المَرْضيَّة، والحمد للَّه، وسَلاَمٌ على عباده الذين اصطفى وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وصَحْبه وسلَّم تسليماً‏.‏